عبدالعال الباقورى يكتب ..”محجوب عمر” صفحة نضال مجيدة
مصر المحروسة، القاهرة 22 مارس 2012
عندما ذهب إلي الأردن والتحق بصفوف حركة التحرير الفلسطينية “فتح” كتب إلي صديق عمره الدكتور قدري حفني رسالة قال فيها: “لن أعود إلا إذا تعودت أذناي صفير المدافع والطائرات والصواريخ وتلطخت يداي بالدم والطين وأكلت من عشب الأرض جوعا وشربت دموع أطفال اللاجئين..” وكان وفيا كل الوفاء لم تعهد بالقيام به في صفوف المقاتلين وفي مخيمات اللاجئين وفي حوارات الثائرين وما كان أكثرهم في صفوف فتح فقد تدفقوا إليها من كل فج عميق وليس من ديار العروبة فقط بل منافي اللجوء والشتات فقد أصبحت فلسطين نداء الثوار في كل أرجاء المعمورة.. وفي صفوف الثورة كان لكل ثائر قصة ورواية بعضها كتب وأكثرها لم يكتب بعد ربما فيها قصة المناضل الجسور الدكتور محجوب عمر القبطي الصعيدي المصري الفلسطيني العربي ولك بعد هذا أن تضيف إليه من الصفات الحميدة ما تشاء: الشاعر. الكاتب. المترجم. الصحفي..
وأولاً وأخيراً الانسان ذلك انه لم يكن ثائراً من طراز خاص فقط بل كان قبل وفوق ذلك انسانا من طراز فريد فيه زهد المتصوفين ونبالة الثائرين والقدرة غير العادية علي العطاء والتضحية بلا حدود في سبيل كل ما يؤمن به ولعلي أشير هنا إلي ما كتبه عنه الأستاذ جمال البنا: “عاش مع المقاومة أحلك ساعاتها في أيلول الأسود وتل الزعتر وبيروت المحاصرة كان فيها جميعا يدرب الشباب ويعالج المرضي ويقدم التوجيه السليم والمنهجية الرشيدة وأمانة الأداء وقداسة الالتزام. لم أدهش لذلك كما دهش الآخرون فقد عرفت فيه حكمة خافية عميقة تجعله يجمع ما بين محمد والمسيح. ماركس وأبي ذر. الداعية والمحارب. وكأن القدر يدخر له أن يشترك في الملحمة الجديرة به والجدير بها والتي ستحدد مصير المنطقة وربما العالم كله”.
في فلسطين ومن أجلها وأجل شعبها سجل محجوب عمر أمجد الصفحات وفي سبيلها اكتسب هذا الاسم وعرف به وكان قد اكتسب الاسم الأول الحركي في صفوف أحد الأحزاب الشيوعية المصرية ثم أضافت التجربة الفلسطينية الاسم الثاني عمر أما اسمه الحقيقي فهو رءوف نظمي عبدالملك وهو مصري صعيدي ولد في المنيا في الثامن من أبريل عام 1932. عمل طبيبا في مستشفي بدمياط كما عمل باحدي شركات البترول وبعد العدوان وهزيمة 1967 دخل سيناء مع مجموعة من الأطباء للبحث عن الجنود المصابين عندئذ كان اسمه ملء السمع والبصر ليس في الحركة اليسارية فقط بل في الحركة الوطنية عامة.
لقيته لأول مرة في أوائل عام 1967 وكان خارجا لتوه من فترة اعتقال لم تدم طويلا فيما أسميناه “انقلاب أكتوبر 1966” الذي كان انعكاسا لصراع دائر في صفوف السلطة عندئذ كان ذلك عاما حاسما كانت مصر بعد إما ان تنطلق وإما ان تنكسر وقد انكسرت علي أيدي المعتدين ومن آزروهم في الخامس من يونيو.. كان اللقاء في “المعهد العالي للدراسات الاشتراكية” في مصر الجديدة وفي مكتبة المعهد علي وجه التحديد وكان ذلك مع أحد رفاق وأصدقاء عمره اسماعيل عبدالحكم الذي بادرني بأسلوبه المحبب: “سلم علي عمك رءوف” لم يكمل الاسم فقلت وأنا احتضنه “رءوف نظمي” وبدا لي كأني أعرفه من سنين وسنين بالذات من خلال حديث اسماعيل ابن موشا بأسيوط عنه وهي أحاديث فيها الحلو والمر وذكريات من عذابات السجن ولياليه..
في تلك الفترة لقيته أكثر من مرة في المكان نفسه وكنت أتنافس معه طويلا حول الثورة الثقافية التي كانت دائرة عندئذ في الصين وكان ينتقدها علي طول الخط.. بعد سنوات وحين عاد إلي القاهرة في 1971 في رحلة علاج كان أول ما بادرني به حين زرته في مستشفي “هليوبوليس” في مصر الجديدة “عبدالعال.. انشر كل ما كنت أقوله عن الثورة الثقافية” كان هذا أول تغيير في أفكاره بدا لي بوضوح من خلال حجرته في المستشفي التي تحولت إلي منتدي يومي فقد كان يعالج فيها عندئذ الشاعر الكبير أحمد فؤاد نجم وكان بها أيضا من كانوا متهمين في مقتل السيد وصفي التل رئيس وزراء الأردن.. كان هذا بعد انقلاب الرئيس السادات في 13 مايو 1971 حيث بدأت مساع لتحقيق التسوية كان رءوف بصياغاته المتميزة يقول: الأمل في امرأة عجوزة ورجل أعور يقصد جولدا مائير رئيسة الحكومة الإسرائيلية وموشي ديان وزير الدفاع.
في تلك الفترة قبلها أو بعدها التحق بصفوف الثورة الفلسطينية عدد من المصريين مثل طاهر عبدالحكيم وأحمد الأزهري “فاروق القاضي” ومحمود عزمي وغيرهم كما كان لطفي الخولي علي علاقة خاصة مع القيادة الفلسطينية ولكن تجربة رءوف نظمي في “فتح” كانت تجربة خاصة سواء في الميدان أو في ساحة الفكر والثقافة.. وقد أشارت بيانات النعي التي صدرت من القيادة الفلسطينية وعن شخصيات قيادية في حركة “فتح” إلي أن محجوب عمر نفذ عمليات داخل الأرض المحتلة وأشارت إلي المهمات العديدة التي قام بها سواء في مركز التخطيط الفلسطيني أو في مركز الأبحاث الذي نجا بأعجوبة من الانفجار الذي دبره العدو الإسرائيلي “دفن العديد من تلاميذه وزملائه الذين استشهدوا في هذا الهجوم” كما كان أحد أبرز معاوني خليل الوزير “أبوجهاد” الرجل الثاني في حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية خلال سنواته في لبنان قبل أن يذهب إلي تونس وكذلك من الرئيس ياسر عرفات “أبوعمار” وبالاضافة إلي الدور القتالي والفكري عمل محجوب عمر مسئولا من “القطاع الجنوبي” ومفوضا سياسيا لقوات الثورة الفلسطينية في الأردن ولبنان حيث كان يقوم بتثقيف شباب الثورة ومناقشتهم وشد أزرهم وقد مارس هذه الأدوار بروح المناضل والفدائي الذي لا يعرف سوي العمل والعطاء وما يروي عنه هنا يشبه الأساطير: كان يقوم بنفسه بتنظيف العيادة التي يعمل بها وفي المعسكرات كان لا يتورع عن القيام بأي عمل بما في ذلك غسيل ملابس المقاتلين.. ثم يواصل القراءة والكتابة وحين أصدر في 1975 كتابه “حوار في ظل البنادق”” أثار نقاشا واسعا في الدوائر السياسية والثقافية ولو تم جمع ما كتب عن هذا الكتاب الصغير الحجم “180 صفحة من القطع الصغير” لصدر في مجلدات.
ومنذ 1975 إلي يوم رحيل محجوب عمر في يوم السبت الماضي جرت في الأنهار مياه كثيرة وتحولت بل انقلبت مواقف كان من المعتقد انها ثوابت لن تتزحزح ولن تهتز فأين نحن اليوم مما سطره في “حوار في ظل البنادق” من أن “فتح ترفض الأفكار التي تقول بأن مثل هذه الدولة الديمقراطية يمكن ان تكون اطارا يجمع الإسرائيليين و”العرب الفلسطينيين”.. فليس الأمر في النهاية أمر تسوية بين ما يسمي “بحقيقتين”!! تاريخيتين ولا هي صفقة بين “الإسرائيليين” و”العرب الفلسطينيين” وإنما هو تناقض تاريخي أساسي لا أمل له إلا بتلاشي أحد طرفيه ولما كان من المستحيل تاريخيا ان يتلاشي الشعب العربي الفلسطيني أو أرض فلسطين نفسها فان الذي سيعود ليحتل المكان عبر الحركة التاريخية ستكون هي “فلسطين” وشعبها ومن عليها سيكونون هم “الفلسطينيون” سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين أو يهودا أو من أي ملة أو طائفة.. لابد أن يتلاشي ذلك الكيان الصهيوني وهو عندما ينهار سيترك خلفه “المستوطنين” الذين سيكونون عندئذ إسرائيليين سابقين!! ليس أمامهم إلا أن “يتمثلوا” ليصبحوا مواطنين في فلسطين الجديدة لا يتدخل أحد في عقيدتهم كيهود ولا يميزهم علي هذا الأساس وإنما مع الأساس.. وهو قدر موقف كل منهم من معارضة الصهيونية أي معبر “الإسرائيليين” وتأييد الثورة التحررية العربية أي “الفلسطينية” فلسطين ستعود تلك حتمية تاريخية ولكي تكون “ديمقراطية”.. وهي لا يمكن أن تكون إلا كذلك علي المدي التاريخي لابد من الثورة الشعبية المسلحة التي لابد أن يشارك فيها المناضلون من اليهود أنفسهم الذين هم علي أرضها مغتصبون.. من هنا فان “الديمقراطية” هدف وخطة في الوقت نفسه.
أرجو أن نلاحظ ان الحديث هنا عن “المدي التاريخي” أي الصراع الممتد طويل الأجل.
في 1987 عاد محجوب عمر إلي القاهرة حيث انشأ فرعا لمركز الأبحاث الفلسطيني وتحلق حوله عدد من الحواريين والتلاميد وكان يكتب مقالا أسبوعيا في صحيفة “الشعب” إلي أن داهمه المرض ولكنه ظل مع ذلك عقلا متوقدا ويقظا وظل حريصا ووفيا للمبادئ – الثوابت التي آمن بها وعلي الرغم من قبوله اتفاقات أوسلو في 1993 ورأي انها “الاختراق” إلا انه لم ير فيها نهاية المعركة بل “بداية لمعركة واسعة شاملة تسهم فيها كل أقوام المسلمين شعوبا وحكومات”.
في السنوات الأخيرة حرمنا المرض اللعين من كتابات محجوب العميقة وتحليلاته الدقيقة ومناقشاته الواسعة التي اعتادها منه أصدقاؤه وتلاميذه وحواريوه خاصة ان المرحلة التي بدأت بعد “الاختراق” اختلطت فيها أوراق كثيرة..
إن ما نشر من أعماله أقل بكثير جدا من كتاباته التي يجب ان يتم جمعها وإصدارها منذ سنوات قامت السيدة زوجته الأستاذة مني عبدالله ماقوري باصدار جزء أول من أعماله ضم ما يلي: “الاشرفية – ايلول في جنوب الأردن – حوار في ظل البنادق – الكلمة والبندقية – وجهة نظر في استراتيجية المفاوض المصري – الناس والحصار – صبرا وشاتيلا – أزمة الخليج وانعكاساتها الاقليمية والدولية”.
وعندما ذهبت أعزيها ان الجزء الثاني من كتاباته سيصدر بيروت وأرجو أن يكون هذا قريبا كي يظل محجوب عمر بفكره ونضاله وأعماله زادا متجددا وعطاء للقضية التي أفني أهم سنوات العمر في سبيلها قضية فلسطين وحقوق شعبها ويحتاج هذا إلي مشاركة جميع أصدقائه وزملائه وحوارييه تلاميذه وما أكثرهم.
المصدر: http://www.misrelmahrosa.gov.eg/NewsD.aspx?id=9965