ريهام زين العابدين – إليه …. د. محجوب عمر

إليه …. د/ محجوب عمر
بقلم : ريهام زين العابدين
نشرت في جريدة الشروق، القاهرة، يوم الخميس 29 مارس 2012

كلما ضاقت عليها الأيام بتثاقلها وشحها في منح جديدها تذهب إليه تأخذ الورود البلدية التي تفوح منها رائحة الفرح وتطرق الباب لتجد الضوء يغمر المكان والحميمية تسكن الأرجاء. تدلف إلى غرفته حيث يجلس بعدما أنهكه النضال ضد القبح ولسيادة العدل والجمال، لتجد رف الكتب الذي يطوق الغرفة بعناوين تاريخية وأدبية تختطف نظرات العين النهمة للقراءة. كانت تشعر بتميزها لمجرد ابتسامته فور رؤيته لها كانت تلك الابتسامة تختصر كل الترحيب والمودة والحب والتمسك بالحياة يسألها وفي سؤاله رغبة حقيقية في الاطمئنان عليها يقول: كيف حالك وكيف حال الشغل؟ تجيبه بالحمد لله يتابعها بنظراته المحبة وعندما تسأله هي عن صحته يقول: ” رُضا ” كانت تحب كلمته لأنها من إبداعه هو وحسب، لم تسمعها من إنسان غيره، كانت تسأله عن أكثر المدن التي يحب فيقول لها: القاهرة، فتتأثر من وطنيته وتخبره بأن القاهرة تحبه وتفخر به أيضا حدثها في فترات سابقة عن كفاحه مع الرفاق الفلسطينيين في الأردن ولبنان وكيف التقى برفيقة دربه التي قالت له يوما أن لقائها به كان أجمل اختطاف في حياتها. هي نظرت إليه دوما كرجل لم يرضخ للمفروض ولحق بهواه الوطني حيثما يهُب عرف أن جوهر وجوده في فداء الوطن ولم يبخل ولم يدخر ولم يمل. وهي أيضا تمردت يوما على سلطة الأب وتبعت هواها في أن تفعل ما تحب وكلفها هذا يوما الطرد من البيت فما لجأت إلا إليه ابتسم في وجهها وقال لرفيقة دربه: الآن رُزِقنا ب ” ابن “. كلما نظرت إليه ترى الصمود جسدا وروحا وابتسامة لا تفتر أبدا، كانت تشعر بأهميتها لأنها تعرفت عليه، والآن بعد رحيله ذهبت إلى بيته فوجدت البيت حزينا عليه نظامه اختل، الغرف مغلقة، وباحة البيت تفرد ذراعيها تحتضن أحباؤه وأصدقاؤه الذين اتشحوا بالسواد وخضبت الدموع عيونهم ، والكتب تبكي قارئها النهم، والنوافذ وفنجان القهوة، والسيجارة المقسومة حرصا على صحته تخلت عن حقدها. رحل أبيها الروحي الذي لم تعرف أنه مسيحي إلا عندما استرد الرب أمانته ، كانت تعرف أنه مؤمن إلى أقصى آفاق الإيمان ويؤمن أن الفيض أغزر من أن يضمه إناء، أحبت اسمه محجوب فهذا الاسم يُسمى كثيرا لأبناء بني قومها في الجنوب ربما خوفا من سطوة الشمس كما ظنّت دائما وهو اختاره له اسما حركيا تحاشيا لسطوة أخرى ، لكن اسمه الذي شهد ميلاده الأول هو رؤوف وكم هذا الاسم تحقق معناه برؤياه فهو يليق برأفته بكل من عرفه يوما أو جمعه به طريقا، بكته فهو أحد أهم الأوشاج التي ربطتها بالحياة في هذه المدينة، ظلت تبكي ولم تقدر على كبح ألمها. قالت لها رفيقة دربه: أنت جالسة على خط الاستواء وتمطرين بلا توقف. تماسكت لأجلها فهي لم تعرف قبلها امرأة بوفائها وإيمانها وتفانيها.ستظل تلتمس الدفء من هذا البيت كثيرا فمداده لا يجف.