محجوب عمر.. “جيفارا” العرب!
بقلم: رياض سيف النصر
الجمهورية، 29/3/2012
ذهبت مريضة فلسطينية إلي عيادة منظمة فتح بإحدي مناطق الأردن. لتجد شخصاً منهمكاً في تنظيف حجرة العيادة.. وتطلب منه مقابلة الطبيب. فيرجوها الانتظار وينتهي من التنظيف ليستدير لها الأخ الدكتور محجوب يسألها عن شكواها.. وتكاد المرأة تصرخ وقد ظنت أن واحداً من عمال النظافة يحاول انتحال شخصية الطبيب.
الواقعة ذكرها الدكتور قدري حفني في مقدمته لكتابات “محجوب عمر” الطبيب والمناضل المصري الذي تصادف رحيله عن عالمنا في نفس يوم رحيل قداسة البابا شنودة وما رافقها من اهتمام إعلامي غطي علي سواه من أحداث.
يعلق الدكتور قدري حفني علي الواقعة التي رواها أنها تكاد تكرارا لصورة “الرفيق محجوب” في زنازين سجن الواحات الخارجة.. ولصورة الدكتورة تكون رؤوف نظمي الطبيب بمستشفي دمياط الأميري.. الإقدام علي الخدمة العامة دون تفلسف أو تأفف مهما كانت طبيعة تلك الخدمة. فكما كان يصر علي تولي مسئوليات تنظيف الزنزانة الجماعية التي يقم فيها كان لا يجد حرجاً وهو الطبيب المسئول في المستشفي الحكومي أن يقوم بنفسه بعد الليمون الذي يورده المتعهد ليضمن شخصياً عدم تلاعبه في أغذية المرضي.
جانب آخر من جوانب شخصية محجوب ذكره الكاتب فهمي هويدي عن عبدالقادر ياسين اليساري الفلسطيني الذي رافق محجوب في سجن الواحات أنه أمضى عشر سنوات في هذا السجن من عام 54 إلى 64 رغم أنه كان محكوماً عليه مدة ثماني سنوات فقط لأنه كان مسئولاً عن خلية الحزب الشيوعي في جامعة إبراهيم باشا “عين شمس حالياً” والسبب في إطالة المدة أنه طلب منه وقت إطلاق سراحه أن يسجل إدانته لما فعله ويتعهد بوقف نشاطه. لكنه رفض التوقيع علي ذلك الإقرار الذي وقع عليه آخرون. لذلك أعيد السجن مرة أخري كمعتقل حيث أمضي سنتين قبل أن يطلق سراحه بعد ذلك.
أما الجانب الثالث من جوانب شخصية محجوب فيتحدث عنه المفكر الإسلامي جمال البنا وهجر محجوب مهنة الطب التي كان يمكن أن تحقق له ثراء عريضاً.. ذهب إلي فلسطين وعاش مع المقاومة أحلك ساعاتها في أيلول الأسود وتل الذعتر وبيروت المحاصرة كان فيها جميعاً يدرب الشباب ويعالج المرضي ويقدم التوجيه السليم والمنهجية الرشيدة وأمانة الأداء وقداسة الالتزام. عرفت فيه حكمة خافية عميقة تجعله يجمع ما بين محمد والمسيح. ماركس وابي ذر. الداعية والمحارب.
وكأن القدر يدخر له أن يشترك في الملحمة الجديرة به والجدير بها. والتي ستحدد مصير المنطقة وربما العالم كله.
التحق محجوب وهذا أسمه الحركي في أحد التنظيمات اليسارية أما اسمه فهو رؤوف نظمي بمنظمة فتح عام 69 ليس بوصفه سياسياً أو طبيباً وإنما باعتباره من المقاتلين وعاش خبرة الثورة في الأردن حتي مذبحة أيلول الأسود. وأصدر كتاب الأشرفية التي شهدت الصدام بين العرش والثورة الفلسطينية.
وفي كتابه “الناس والحصار” يقول محجوب عمر إن صيف 1982 شكل نقطة تحول في مسار الحرب اللبنانية المستمرة منذ عام 75 حيث تدخلت إسرائيل بشكل مباشر بذريعة تأمين “السلام للجليل” واجتاحت جنوب لبنان للمرة الثانية. بعد عملية الليطاني عام 78 مستهدفة مخيمات اللاجئين الفلسطينيين فيه والمدن والقري اللبنانية ودخلت مناطق الشوف والمتن في الجبل. وصولاً إلي بيروت التي حاصرت جزءها الغربي وأمطرتها بالقذائف من الجو والبحر طيلة ثلاثة أشهر حتي أخرجت منها منظمة التحرير الفلسطينية بقيادتها ومقاتليها وأجبرتهم علي مغادرة لبنان.
عرفت محجوب في منتصف الستينيات من القرن الماضي عن طريق صديقنا المشترك إسماعيل عبدالحكم الذي كان دائم الحديث عنه قبل أن ألتقيه والحقيقة أن ما سمعته عن مواقفه النضالية وصلابته في الدفاع عن المبادئ التي يؤمن بها لم تكن وحدها التي دفعتني إلي الإعجاب بالرجل بعد أن اقتربت منه إنما مواقفه الإنسانية الي لا تنسي.. وترفعه عن الصغائر.. وقدرته غير العادية علي العطاء بلا حدود.. وإنكار الذات والبعد عن المظاهر. شكل محجوب بالنسبة لي في تلك الفترة المبكرة من حياتي.. نموذجاً نادراً للإنسان المثالي المتوافق مع نفسه.
وتعمقت علاقتنا في لبنان بعد أن أقنع القائد الفلسطيني خليل الوزير “أبوجهاد” بإقامة دار نشر تخاطب الأطفال الفلسطيني الذين سيتحملون مسئولية النضال في المستقبل.. وبالفعل تم إقامة مؤسسة “دار الفتي العربي” التي أدارها صديق عمري إسماعيل عبدالحكم وتولي الإشراف الفني علي إصداراتها الفنان الكبير محيي اللباد الذي حصل علي أكثر من جائزة عالمية علي التصميم الفني لإصدارات الدار.
وتعددت زياراتي لبيروت لا إقيم فترات في شقة إسماعيل ومحجوب ولمست عن قرب مدي أخلاص محجوب للقضية الفلسطينية التي وهبها عمره وقدرته علي اكتساب ثقة معظم الفلسطينيين واحترامهم.. وهذا لا يمنع من أنه تعرض لهجوم قاس من بعض الفصائل اليسارية التي كانت تري أنها الأحق بأن يكون محجوب في صفوفها. بينما كان يري أن تلك التنظيمات اعتمدت الرفاهية الفكرية والاستمتاع اللفظي بدلاً من حمل البندقية.
وقد أوضح وجهة نظره في مقال الكلمة والبندقية يقول إن البعض في قديم الزمان وحديثه تعود “حرفة الكلام” والكلام كما يقول بسطاء الناس يزداد كلما مضغته ويكبر كلما ابتل بريق الفم فما بالكم ببريق الدنانير والكلمة تجريد والانتقال من التجريد إلي التجريد سهل فإذا كنت مخالفاً في الرأي فانت “مضلل” وإن كنت مضللاً فأنت منحرف.. وإن كنت منحرفاً فأنت انتهازي وإن كنت انتهازياً فأنت تصب الحب في طاحونة الأعداء.. فأنت جاسوس أو عميل.. وللتبسيط إن كنت مخالفاً في الرأي وفأنت عميل وهكذا إن كنت عميلاً فأنت عدو وأخطر من أنفسهم والمقياس في كل ذلك هي “ذات” الذي سيصدر عليك الحكم فيدنيك أو يضمك إلي أتباعه.
ولا يمكن تناول سيرة محجوب عمر دون الحديث عن شريكة حياته مني التي كانت خير سند له منذ أن تعرف عليها في بيروت في ظروف كان الاقتراب منه مغامرة كبري كما وفرت له الرعاية الكاملة طول محنة مرضه الطويل لأن محجوب عمر كان يستحق.
المصدر: http://al-gomhuria.misrlinks.com/