د. إيمان يحيى – جيفارا المصري “محجوب عمر”

أكثر من بورتريه
جيفارا المصري “محجوب عمر”
د.إيمان يحيى (( د. إيمان يحيى : كاتب سياسي وأستاذ جامعي وطبيب))
مجلة الطليعة 21 – صيف وخريف 2012 – ص 51 إلى 69

ملف : محجوب عمر
*جيفارا المصري*
حياة حافلة بالنضال والإبداع والعطاء..
لم يعرف للثورة حدودًا، ولم يبخل
عليها بأي جهد.. نموذج ساطع لكل الأجيال المناضلة.

لم يكن رحيله مفاجئاً لى، فهو منذ سنوات طويلة يعانى من الشلل وجلطات الدماغ. ورغم توقع مغادرته الحياة، الا أن خبر وفاته احدث فى نفس الكثيرين، من اصدقائه وتلامذته ومريديه، فجيعة وحزناً بالغيْن. لم يقتصر ألم الفراق على القاهرة حيث وورى جثمانه الثرا، ولكن تنادى رفاقه عبر عواصم عربية وعالمية عديدة لتلقى التعازى ووداعه كما ينبغى. بكاه أطفال وشبان فى رام الله وغزة، رغم انهم لم يروه قط ولم يحملوا معه السلاح. كان رحيله يذكر بيروت ودمشق وعمان والجزائر بأيام غابرة من المجد الثورى. عندما تتردد ألقاب “الحكيم” و “الاستاذ” و “محجوب”، فأعرف ان الحديث يدور عن “جيفارا المصرى” الذى بذر بذور الثورة أينما ذهب.

– 1 –

تتعدد الأسماء الحركية: محجوب.. نصار.. رشيد.. رأفت.. محمد نصير.. همام، ويبقى”محجوب عمر” الاسم المحبب اليه ولأصدقائه، ذلك الاسم الذى ارتبط بكتاباته الصحفية ومؤلفاته وبفترة انخراطه فى صفوف حركة “فتح” الفلسطينية، وظل الى رحيله ملتصقا به. اختار إسما حركياً مركباً يجمع مابين اسمه الحركى الأخير فى التنظيم الشيوعى السرى الذى كان فيه”محجوب” واسم صديق عزيز عليه “عمر”.
ولنبدأ من البداية.

الاسم: رؤوف نظمى ميخائيل عبد الملك

صعيدى..مولود لأسرة من ملوى بمحافظة المنيا، تفتح وعيه فى حى شبرا ومدارسه.

الأب: نظمى ميخائيل عبد الملك موظف بالبريد، يسكن مع عائلته فى المنزل رقم 6 شارع حوض الزهور بالسبتية…أما “محجوب ” فقد اتخذ غرفاً وشققاً متعددة سكناً ومأوى له فى نضاله السياسى فى أحياء القاهرة المختلفة وغيرها من المدن المصرية.

الأب وفدى حتى النخاع..و”محجوب” يتظاهر فى طفولته من أجل الوفد..لكن النقلة الكبرى فى حياته جاءت فى فترة دراسته بالمدرسة الثانوية، عندما وصل الى المدرسة ثلاثة مدرسين كانوا معيدين فى الجامعة وتم فصلهم عام 1946 أثناء حملة الديكتاتور اسماعيل صدقى ضد الحركة الوطنية واليسار. يقترب الفتى من معلم الكيمياء “عبد الرحمن الناصر” القيادى فى تنظيم “حدتو” اليسارى، فيقوم وحده بتوزيع مائة عدد من جريدة “الجماهير” داخل المدرسة. لا يفاتحه “الناصر” فى أمر التنظيم ويبقى الفتى ذو الهوى اليسارى مستقلاً. يدخل محجوب الجامعة ويقابل يساريين كثر فى دفعته بطب القصر العينى من مجموعات وتنظيمات متعددة. ينجذب الى الحزب الشيوعى المصرى (الراية)  عبر اللجان الشعبية للمقاومة الوطنية التى يشرف عليها “سعد زهران”، والتى تكونت لخوض حرب العصابات ضد الانجليز فى منطقة القناة فى عامى 1950 و1952. وينخرط “الشاب ” فى تنظيم أول اضراب نضالى فى حياته بمناسبة ذكرى احتلال الانجليز لمصر فى 11 يوليو 1950، فى الساعة العاشرة والنصف صباحاً يكتب ورقة عن الاضراب ويمررها على الجالسين فى قاعة الاطلاع بدار الكتب فيقف الجميع وينزلون الى الشارع . يقفز الى احد الترمايات السائرة فى الشارع ويخبر السائق بالاضراب، فيوقف الرجل الترام فى مكانه ويأخذ مفاتيحه وينزل..فى ذلك اليوم توقفت البلد تماماً فى الساعة الحادية عشرة صباحاً!

أول اسم حركى “رشيد”، وأول اعتقال فى يناير 52 بعد حريق القاهرة، وأول مقابلة مع الموت كانت وقتها عندما انطلقت رصاصة من بندقية أحد حراس المعتقل أثناء تنظيفها ومرت بجوار رأسه، وتم نقل “محجوب” الى القصر العينى ليقضى به أربعين يوما. بعدها تعددت مرات الاعتقال وأماكنه، وتكررت المواجهة مع الموت والرصاص.

– 2 –

  لم ألتق بمحجوب الا متأخراً بعد عام رغم انضمامى للمقاومة الفلسطينية فى بداية الثمانيننات 1980-1982 كطبيب فى الهلال الأحمر الفلسطينى فى الجنوب اللبنانى،  ورغم أن جيلى قد قرأ له منذ بداية السبعينيات وخاصة كتابه عن أيلول الاسود فى جنوب الأردن الذى نشر فى عام 1971 تحت اسم “الأشرفية”. تأثرنا بالكتاب والكاتب، بالطبيب والسياسى و المقاتل الفدائى المصرى الذى اختار طريق الانضمام للمقاومة الفلسطينية. تأخر اللقاء لسنوات، وعبر تلك السنوات كانت الحكايات والطرائف التى تُحكى عنه ترسم صورة لمناضل غاية فى العملية البرجماتية السياسية، وفى نفس الوقت يمتلك خيالا سياسياً واستراتيجياً جامحاً. كان من طراز اخلاقى رفيع، يجمع بين زهد الصوفيين وتضحية المؤمن وبساطة البدوى.
عندما رجعت الى شهادات أصدقائه ورفاقه منذ أيام الشباب، وإلى دفاتر المباحث العامة وتقاريرها، وأوراق القضايا التى قُدِم اليها، وجدت تلك الروح النادرة فى الوجود معا فى شخص واحد متمثلة أمامى.

فى فبراير 1953 تم توجيه ضربة بوليسية الى تنظيم “الراية” وتحول اسم رؤوف نظمى الحركى من “رشيد” الى “محجوب”، وجاءه أمر بالاختفاء وترك بيت الأسرة. كان نظام الاحتراف الثورى فى تنظيمه مختلفاً عن التنظيمات الاخرى، فعلى المناضل المحترف أن يبحث بنفسه عنى مصدر دخل وعن مكان للاختباء. يقول محجوب فى شهادة له عن مسيرة نضاله فى الحركة الشيوعية المصرية: “بدأت جولة أن أعيش محترفاً بطريقتى الخاصة، والتى لا أعتقد أن هناك شخصا يقدر العيش بها..كل شهر فى مكان وشهور بلا مكان خالص.. بمعنى أننى كنت أبات كل ليلة عند واحد شكل من أصحابى وبالتالى استمريت مدة طويلة لم يقبض علىَّ”. وظهرت مهارات “محجوب” على الفور، أصبح مسئولا للجامعة ثم مسئولا عن القاهرة ثم مسؤول التنظيم وعضوا باللجنة المركزية ومرشحا للمكتب السياسى. هنا سأقفز الى المستقبل لأذكر ما كتبه فتحى البس القيادة الفتحاوية و أحد كوادر الكتيبة الطلابية بحركة فتح فى مذكراته المعنونة ” إنثيال الذاكرة ” حين تذكر دورة لاعداد الكوادر فى حركة فتح . “دخل محجوب عمر فى أول درس وكتب على السبورة.. الاستراتيجية : 1- كن دائما مهاجماً 2- قاع المدينة!”.. كان هذا الدرس يلخص وجهة نظر محجوب فى الحركة الثورية، والتى ترتكز على الحركة الدائبة وعدم التكلس فى مواقف دفاعية فخير وسيلة للدفاع هى الهجوم.. ولعلى أذكر كلمة له قالها لى: “إذا لم تستمر فى تحريك بدال العجلة (البسكليتة)، فسوف تقع”. أما قاع المدينة فهو “الناس”، كان محجوب مهموما دائما بالناس البسطاء الذين يعيشون فى قاع المدينة، فهم غابة الثوار التى يختبئون بها، وهم المناضلون الأشداء فى الدفاع عن الثورة. إذا كانت الجبال والغابات هى مخبأ رجال حرب العصابات الثورية، فإن الجماهير كما يقول “محجوب عمر”: هى البحر الذى يعوم فيه الثوار كالسمك! سنجد تطبيقا لذلك فى حياته وأفكاره كلما تقدمت مسيرة حياته ونضاله الى الأمام.

لا يتوقف ابداع وخيال “محجوب” فى الممارسة السياسية، فرغم الضربات المتتالية للتنظيم فى عامى 53 و54، ينشط الحزب الشيوعى المصرى”الراية” بشكل ملفت للنظر. فى محضر لتحريات البكباشى حسن مصيلحى رئيس مكتب مكافحة الشيوعية ومؤرخ بتاريخ 5/11/1954 يذكر أنه رغم الضربة التى وجهت الى الحزب فى فبراير من نفس السنة وضبط (أوكار) لطباعة المنشورات وحفظ وثائق التنظيم فى القاهرة وطنطا وإيتاى البارود فإنه “لم يتوقف نشاط المنظمة بعد عملية الضبط هذه بل عادت الى نشاطها من جديد وأعيد تنظيم كيانها تنظيما دقيقا وحرص أعضاؤها على تضليل البوليس وعلى تطبيق قواعد الأمان بحذر شديد فاق كل ما كان يتبعونه من قبل، وأصبحت اجتماعات القادة وتدبيراتهم تتم خارج القاهرة وفى طنطا والمحلة الكبرى و سمنود وشربين والاسكندرية”. ووفقا لشهادة البكباشى المصيلحى فى القضية2327 لسنة 1954 فإن رؤوف نظمى ميخائيل صاحب الاسمين الحركيين “محجوب” و”نصار” هو الصلة الأولى بين قادة المنظمة والمستويات الأخرى وباقى أعضاءالمنظمة بالقاهرة. يحكى صديق محجوب ورفيقه “د.شكرى عازر” كيف أن رؤوف ورفاقه استطاعوا استيعاب ضربة فبراير 1953، بل وأصبحت “راية الشعب” جريدة الحزب تُطبع فى شكل جديد أنيق جديد مماثل لصحيفة “يونيتا الايطالية” ومعها مطبوعات عديدة. كلها تُطبع بحروف المطبعة بعدما كنت فى السابق تُطبع بالاستنسل. أما المفاجأة فقد جاءت فى محضر المضبوطات بالقضية حيث تم العثور على جهاز لاسلكى مفكك فى مسكن “محجوب”! يجيب “محجوب” فى حوار منشور على هذا اللغز..”عرفت أنهم بعد مافتشوا الحجرة وأخذوا كل شئ كان موجود فيها بطانية كاملة بها كتب واجهزة لاسلكى مفككة، كنا من المفروض هنعمل بيها محطة إذاعة”. ويضيف “محجوب” : “دى كانت مجرد قاعدة مع واحد بيبيع حاجات لاسلكى وعرفت منه من خلال جلسات مرة أو مرتين أو ثلاثة، واكتشفت أنه ممكن نعمل محطة إذاعة تذيع على مدى كيلو أو اتنين كيلو وهذا كان كافى..يعنى محطة صغيرة..فطلبت الاذن بذلك وقلت للشباب إعملوها..ملحوظة للتاريخ فقط..القيادة لم توافق أو بمعنى أدق فؤاد مرسى واسماعيل صبرى عبد الله لم يوافقوا”. فى شهادة لمحجوب، يُقر أن القيادة كانت على حق فى رفضها  لأن الموضوع كان سيمثل “استفزازاً للسلطة وفوق طاقتنا”.، ويضيف  الآن أتعجب لأن هذا المنطق لم يكن موجودا عندنا، لكنه منطق سياسى صحيح ولأنى بعد ذلك رأيت الكثير من هذه الأشياء التى تسمى “فوق طاقة المناضلين” وتجرعليهم أشياء ليسوا فى حملها من السلطة كما يحدث فى الساحة الفلسطينية. قصة الاذاعة تلك تبين طرق التفكير غير التقليدية التى يلجأ اليها محجوب دائما، ولا تقتصر على الخطوات العملية أو وسائل العمل فقط، بل أيضاً أمور التكتيك السياسى والاستراتيجية!

– 3 –

فى رحلته الطويلة فى المعتقلات والسجون المصرية، والتى امتدت من عام 1954 وحتى عام 1965، ثم تم اعتقاله فى عام 1966 لشهور، تعرض محجوب عمر للعديد من الأزمات والاختبارات الصعبة. لعل أقساها اتهامه من قبل تنظيمه بالجاسوسية والبوليسية! كانت خطة البكباشى “المصيلحى” عقب القبض على “محجوب”، هى تركه بلا ضرب وتعذيب بينما كان بقية زملائه يتعرضون للتعذيب، حتى يلقى بالشكوك عليه ويعزله عن تنظيمه. زاد الطين بلة موقف “محجوب” الايجابى من مؤتمر باندونج والذى كان ضد خط قيادة الحزب، وجاء خروجه لنصف ساعة  لوداع والده المحتضر بطلب من أخيه الضابط بالجيش ليجعل القيادة تصدر قرارا باتهامه بالبوليسية. الطريف أن “محجوب” قبلها قد تم تكليفه بالقيام باعتراف سياسى أمام محكمة الثورة ليتم الحكم عليه بخمس سنين أشغال شاقة.

ما أصعب ظُلم الرفاق! يحكى محجوب عن معاناته، فيقول:”جاسوس..بوليس.. مفيش فرق. وعميل للامبريالية، كله بسبب باندونج..وفوضوى أيضاً..كل هذا حدث وانا فى السجن. لوكنت فى الخارج كان ممكن اثبات عكس ذلك لكن وأنا فى السجن!! أنا بكيت فى زنزانة مظلمة، لم يكن فيها كهرباء لمدة اسبوع..وبعد ذلك نقلونى الى المستشفى لمدة عشرة أيام”.. تستمر معاناة “محجوب” لأكثر من عامين وسيف الاتهام بالجاسوسية يحز فى عنقه، حتى يأتى الفرج بقرار القيادة فى يناير 1957 بإرجاعه للحزب والاقرار بأن القيادة أخطأت فى حقه! وهنا تظهر صلابة محجوب فيرفض الرجوع كعضو مرشح ويطالب بالرجوع الى موقعه باللجنة المركزية. لم يمر هذا الاختبار الصعب لمحجوب دون أن يلفت انتباه رفاقه من تنظيمه والتنظيمات الأخرى إلى شخصيته غير العادية التى تزداد تألقاً.

ويبرز “محجوب” فى تنظيم اضراب المعتقلين فى 4يوليو  1961..لم يكن قرار الاضراب عن الطعام سهلاً وبلا صراع سياسى.. كان التعذيب قائم على قدم وساق منذ عام 1959، وكانت وجهة نظر القيادة أن المقاومة تعنى اعطاء الحكومة الفرصة لتنفيذ خطة ابادة طليعة الشباب المصرى. وكانت وجهة نظر الشباب و”محجوب” أن هدف التعذيب لم يكن الموت الجسدى، بل السحق النفسى. بدأت المقاومة بتصدرأفراد فى العنابر للادارة ورفع المطالب، وبالامتناع عن الهتاف، ثم جاءت الذروة فى الاضراب عن الطعام. كانت معركة بمعنى الكلمة، تم التحضير لها ونسج طرق للاتصال بخارج السجن ووسائل الاعلام. يبدأ الاضراب ب6-8 أشخاص، كان بينهم “محجوب”، ثم بعد ثلاثة أيام تدخل دفعة مكونة من 110 معتقلاً الاضراب، وبعد ثلاثة أيام أخرى تدخل الدفعة الثالثة. استمر الاضراب ثمانية عشر يوماً. فى اليوم السابع يتم نقل محجوب الى المستشفى بين الحياة والموت. ينجح الاضراب وتتحسن ظروف المعتقل ويبدأ المعتقلون فى استرداد آدميتهم بالتدريج، وتصل درجة الرفاهية أن يلبسوا أحذية فى أرجلهم ويتسلمون ملابس ملكية. ويستمر نجم “محجوب” فى الصعود..قيادة شابة يحوطها شباب وطلاب وعمال، لا تخلو من اعتداد بالنفس، قادرة على مناطحة القيادة التاريخية للحزب.

– 4 –

وتأتى تجربة “الأفق” كتجربة فريدة للاختلاف السياسى وممارسة الديمقراطية داخل المعتقل. قبلها تم اجراء انتخابات فى عنابر المعتقل  فى سابقة تاريخية. كانت “الأفق” فى الأساس مجلة صوتيه يصدرها “محجوب” الذى تجمع حوله أكثرمن أربعين عضوا من تنظيم “الراية”، وفى نفس الوقت تحلق حولهم العديد من شباب التنظيمات الأخرى. كانت المجلة تبدأ بمقطع من قصيدة شعرية يقرأها محجوب وتنتهى بشعار: “صاح ملاح فى اعلى السارية..أرض فى الأفق” ثم يصفر إبراهيم عامر صفارة شهيرة، كأنها موسيقى تصويرية للمجلة. لعل العامل الحاسم فى تجربة”الأفق” هو إصرار القواعد والشباب على كسر احتكار القيادة فى الحصول على معلومات وانتقاء بعضها لتكوين موقف سياسى. استطاع رفاق “محجوب” تهريب راديو ترانزستور الى المعتقل والاحتفاظ به فى مخبأ آمن داخل العنابر. وحدثت معركة ساخنة بين القيادة والقواعد. القيادة تتهم محجوب بالاستيلاء على الامكانيات الفنية للحزب ( الراديو) وتطالب بتسليمه اليها، والشباب يرفض ويحتفظ بوسيلة المعلومات الوحيدة فى المعتقل ويقوم بتسريب الأخبار الى عبد الستار الطويلة ليستخدمها فى وكالة أنبائه “واس” داخل السجن، ويستخدمون المواد التى يحصلون عليها فى مجلتهم “الأفق”. لعل أهمية وصول المعلومات الى المناضلين وتجربة “الأفق” فى كسر الاحتكار للقيادة هى التى دفعت “محجوب” فى مرحلته الفلسطينية الى العكوف فى مكتب التخطيط ولجنة الابحاث الخاصة بحركة “فتح” على اتاحة أكبر مساحة من الدراسات الاستراتيجية و السياسية العالمية فى وقتها للمقاتلين فى قواعدهم. أتذكر ان بعد خروج المقاومة من بيروت ورجوع “محجوب” الى القاهرة، كيف حول مكتبه الى مركز للدراسات ومخزن للافكار. مئات الدراسات الفكرية والاستراتيجية العالمية تتم ترجمتها فى الحال الى العربية وتتتم طباعتها فى كراسات صغير بغلاف متواضع شبيه بالورق الذى تباع فيه اللحوم!..كى نعرف قيمة جهد محجوب، يكفى أن نشير الى أنه لم يكن هناك “إنترنت” أو ثورة معلوماتية كالحادث اليوم. “محجوب” يحصل على احدث ما تجود به مطابع وعقول العالم فى وقت قياسى كى يكون متاحاً للثوار والمناضلين ومثقفى العالم العربى على الفور. عندما أنظر الى مئات تلك الكتيبات، أدرك الى أى مدى كان “محجوب” يؤمن بحق المعرفة لقواعد المناضلين وبقدرتهم على الوصول الى تكوين موقف سياسى بأنفسهم وبعقولهم.

تأخذ تجربة “الأفق” أبضاً بعداً آخر فى تاريخ اليسار المصرى وفى مسيرة “محجوب” النضالية. يذكر “محجوب” فى شهادة له أن “الأفق” نشأت كرد فعل للاستقطاب السياسى الحاد بين اليساريين تجاه سلطة “يوليو” فى ربيع 1961. البعض يردد أنها سلطة “الرأسمالية الاحتكارية”، والبعض الآخر يردد توصيفها “بالرأسمالية الوطنية”. لم تعد التحليلات حكراً على قيادة هنا أوهناك، بدأ الحديث عن الحريات والديمقراطية داخل الحزب. وهنا نلمح خصوصية تجربة “الأفق”، فبرغم الاختلاف مع القيادة يصر أصحابها على التمسك بالاطار العام السياسى والاطار التنظيمى للحزب وعدم الخروج منه والانضمام الى تنظيم آخر. ورغم العقوبات التى تفرضها القيادة على متزعمى “الأفق”، يصر هؤلاء على اعتبار أنفسهم إحدى مناطق الحزب ونفى أى اتجاه للانقسام.

تتكرر التجربة بشكل أنضج فى مرحلة “محجوب” الفلسطينية.   لم يكن بعيداً عن  “الكتيبة الطلابية” بفتح التى تحول اسمها فيما بعد الى “كتيبة الجرمق”. ضمت تلك الكتيبة خيرة الكوادر المثقفة بين مقاتلى فتح من طلاب جامعيين فلسطينيين ولبنانيين وعرب. كانت بدايتها فى عام 1972-1973 من هؤلاء الذين تحلقوا حول محجوب عمر ومنير شفيق فى مركز التخطيط بحركة فتح، وكانت بصمات الخط “الماوى” واضحة للغاية. ترفع الكتيبة شعارات “خط الجماهير الشعبية- خط حرب التحرير الشعبية”، مرة أخرى وليس أخيرة فكرة “محجوب” عن قاع المدينة و العوم وسط بحر الجماهير. لابد من الاستماع الى الناس وإشراكهم بل تبنى شعاراتهم ومطالبهم بلغتهم. يقوم “محجوب” بتدريبهم على السلاح والحياة وسط القواعد، يخوض المناقشات ويكتب المقالات والتقارير السياسية. تخرج من هذه الكتيبة شهداء أبطال: جواد أبو شعر ودلال المغربى وسعد جرادات  وحنا ميخائيل وعلي أبو طوق ومروان كيالي وجورج عسل وسمير الشيخ وعصمت مراد وباسم سلطان التميمي (حمدي) وأمين العنداري (أبو وجيه) ونقولا عبود وجودت المصري (أبو الوفا) وخليل عكاوى وغيرهم. وعبرها وعبر مركز التخطيط إمتلك محجوب تأثيرا فكرياً وسياسيا وانسانياً واسعاً على عدد كبير من المثقفين الفلسطينيين واللبنانيين والعرب: جوزيف سماحة وإلياس خورى و أنيس نقاش وعادل عبد المهدي (الذي صار نائباً لرئيس الحكومة العراقية) وإدي زنانيري ومعين الطاهر ويزيد صايغ والسيد هاني فحص ونهلة الشهال وحسن صالح وسعود المولى ونظير الأوبري (الحلبي الجذور) ومحمود العالول وسامي عبود. ونعمان العويني وهلال رسلان (من جبل العرب في سوريا) وربحي وأدهم وهالة صايغ وسامية عيسى ومحمد صالح الحسيني (من إيران) وغيرهم.

وتحت شعار الثورة الثقافية الصينية “دع ألف زهرة تتفتح” كانت “ديمقراطية غابة البنادق” تزدهر فى “فتح”. ويمارس “محجوب” تجربة الاختلاف السياسى والفكرى داخل فتح،  فيعارض بقوة برنامج النقاط العشر في عام 1973/1974، الذى كان اعترافاً بحل الدولتين بتأثير جناح آخر من اليسار الفتحاوى يقوده أبو إياد وأبو صالح وماجد أبو شرار وبدعم أبو عمار وأبو جهاد. فى المقابل يطرح “محجوب” عبر “السرية الطلابية” ومركز التخطيط خط الدولة الديمقراطية العلمانية وحرب الشعب طويلة الأمد. وفى عام 1975 يأخذ موقفا سياسيا مبدئيا صعبا تجاه الحرب الأهلية اللبنانية ويرفض موافقة قيادة “فتح” على قرار عزل الكتائب. لقد صاغ محجوب عمر رؤية وحدوية إنسانية حاولت أن تتخطى انقسامات الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1976) و حافظت على البوصلة الأساسية وهو الصراع مع العدو الصهيونى. لم تشترك الكتيبة الطلابية الا فى مواجهات محدودة فى الحرب الاهلية اللبنانية، بل الأكثر من ذلك أنها توجهت الى الجنوب بموافقة من حركة المحرومين والامام “موسى الصدر” لتتخذ مواقعها فى الجنوب وفى خطوط التماس مع العدو الاسرائيلى حتى لا تتلوث أيديها بالدماء اللبنانية. ويأخذ “محجوب” ورفاقه موقفا معارضاً لعملية تهجير المسيحيين من الدامور، ويحاول أن يوقفها. لكنه يفشل تحت ضغط التهجير والتهجير الطائفى المعاكس. هنا نلاحظ جيداً أن فكرة “محجوب” عن وجود تعددية داخل التنظيم تأخذ بعداً عملياً وسياسياً. تتقبل القيادة المتمثلة فى (أبو عمار- أبو جهاد) الاختلاف و تسمح بممارسته على أرض الواقع، وفى نفس الوقت لايخلق “محجوب” ومجموعته صراعاً تناقضيا تناحرياً مع القيادة. يفتح جسور الاتصال بكافة الفاعلين الرئيسيين فى الساحة اللبنانية. يستمر دعم فتح للتجربة وتصدر فى عام 1975 جريدة “الفجر” الأسبوعية المعبرة عن التوجهات اليسارية الماوية وعن “الكتيبة الطلابية لتطبع وتوزع مجانا 15 ألف نسخة فى لبنان، وتأخذ خطأً مستقلاً عن خط القيادة المشتركة اللبنانية-الفلسطينية، فقد كانت ضد سياسات العزل والنبذ والتفرقة والتخوين ومع سياسات الوحدة والتضامن والمصالحة والسلم الأهلي.. وكما يقول “سعود المولى”: “عرفت جريدة الفجر نجاحاً هائلاً وتحولت إلى كابوس للقوى التكفيرية والتخوينية.. ومحجوب كتب لنا عدة افتتاحيات أشهرها تلك التي نشرناها يوم وفاة ماوتسي تونغ وكانت بعنوان: (منك نتعلم يا رفيق) ”

وكشاهد عيان أقر ككاتب لهذه السطور، أن تجربة “السرية الطلابية” وتحولاتها الى “الكتيبة الطلابية” و”كتيبة الجرمق” قد حازت ثقة جماهيرية ضخمة بين الفلسطينيين واللبنانيين، وأصبحت أبرز وحدات الثورة الفلسطينية من الناحية القتالية والسياسية. كان تمركزها فى قلعة الشقيف والمناطق المتاخمة لها ومعاركها البطولية فى عام 1978 و1982 بمثابة أساطير بطولة وفداء. تفرقت السبل بالكتيبة بعد حرب عام 1982، وتتفاوت الشهادات فى مآلها..البعض يشير الى تبعثرها بعد الحرب بفعل تبنى الكتيبة لأفكار الثورة الايرانية و اهوت التحرير الاسلامى الى مكونات طائفية أولية، والبعض الآخر يؤكد استمرار الكتيبة فى عملياتها ضد الاحتلال الاسرائيلى فى عامى 1982 و1983 والى دورها البارز فى جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية.

– 5 –

تبدو شخصية “رؤوف نظمى” آسرة للغاية، مزيج من الاستشهاد والتضحية المسيحية والقدرة على الفعل وتأمل الصوفى العميق. لقد تعرفت به بشكل شخصى فى نهايات عام 1987 عبر الصديقين الراحلين “د.مختار السيد” و”موسى جندى”. هو قادر على إبهارك ببساطته وتقشفه البالغين وتفانيه فى خدمة الآخرين. يصنع القهوة ويقدمها لك بنفسه، ويقابلك بابتسامة عريضة مرحبة رغم انشغالاته بمكتبه الذى كان أشبه بمركزأبحاث وتخطيط للثورة الفلسطينية ولكن من القاهرة. اما اذا رضى عنك، فهو سيعد الغذاء لك بنفسه فى المطبخ، وفى الغالب لن يكون أفخم من بيضتين مسلوقتين. ذات مرة قال لى ” مالك غايب..انت واحش خدام اللطافة!”، ولما استفهمت عن ماهية “خدام اللطافة” أدركت أنها أحب ألقابه وصفاته الى نفسه. كانت فترة احتراف العمل السرى وخبرة المعتقل تجعله يمارس “سبع صنايع على الأقل” كما يقول عنه رفاقه فى اليسار المصرى، فهو طبيب يعالج المرضى ونقاش يطلى حجراتهم وشاعر وزجال كبير، ومطرب يردد أغانى أم كلثوم بصوته الأجش، وكاتب ومفكر يثير القضايا ويساهم فى تشكيل المواقف السياسية والحزبية.

فى يوم من الأيام مرض صديقه ورفيقه “د.شكرى عازر”، فذهبت لزيارته، وهناك فوجئت بالممرض والطبيب “محجوب” يقوم بورديته فى تمريضه وتركيب محاليل الوريد له. كان اندهاشى كبيراً، لأن “محجوب” كان قد ترك الطب وقتها منذ ما يقرب من ربع قرن!.

عندما تخرج رؤوف نظمى من كلية الطب بعد ادائه امتحانات البكالوريوس وبعد خروجه من السجن، ذهب للعمل الى مستشفى دمياط المركزى. وبدأ محجوب يزعج بطرائفه المرتكزة على مبدئيته وتفانيه فى خدمة الناس دوائر البيروقراطية. رفض تسلم مواد غذائية فاسدة من متعهد فاسد. كان معنى قراره أن يموت المرضى جوعاً، يعرف أن هناك أطعمة جافة فى المخزن، ويفتح المخزن بالقوة وتظل المستشفى تعيش على الاطعمة الجافة أياماً طوالاً لتقاعس و تواطؤ الادارة الفاسدة، ويتم تحويل “محجوب” للتحقيق. يكتشف مدى قذارة المستشفى وتكاسل البيروقراطية، فيأتى بمقشة وممسحة وجردل ويشمر بنطاله ويبدأ بالتنظيف. تهتز أسلاك التلغراف لتخبر الوزارة بالقاهرة بجنون الطبيب الذى لا يأنف من حمل المقشة والممسحة والجردل، وتثور النقابة المنشاة لكرامة الأطباء ومعها وزارة الصحة التى خدش “محجوب” كبرياءها، فيتم فصله من وزارة الصحة! إنه نفس الموقف يتكرر فى الأردن وتحديداً فى “الطفيلة” فى جنوب الأردن، حيث أسس محجوب الخدمات الطبية لقوات “العاصفة” وتم افتتاح عيادات للأهالى. تدخل إمرأة بدوية العيادة الطبية فى السابعة والنصف صباحاً فتجد شخصا فى فانلته الداخلية مشمراً أكمام بنطاله، يمسك فى يديه ممسحة لتنظيف أرضية العيادة، تسأله عن الطبيب فيستمهلها الى الثامنة حيث بدء العمل ويطلب منها الانتظار فى الخارج فتنتظر. ينتهى التنظيف فيرتدى محجوب معطفه الأبيض و يفرد أكمام بنطاله ويستدير للبدوية ليسالها عن شكواها. تصرخ المرأة وهى تظن أن محتالاً ينتحل شخصية الدكتور. إنه محجوب ببساطته المتناهية السهلة الممتنعة!

لا أشك فى أننا لو خيرنا “محجوب” من بين “السبع صنايع” التى يجيدها لاختار “صنعة” المدرب” أو “الاستاذ”. كانت لديه قدرة عجيبة على التأثير على الآخرين و تعليمهم. يفعل كل ذلك وكأنه لا يقصد، بينما تفضحه عيناه بتألقهما وبذكاء مقصود يشع منهما. أكبر القضايا العويصة يحسمها بتساؤل، يبدو بريئاً ،أو بجملة، أو بحكاية تبدو من وحى عفو الخاطر، لكنه كان يقصد بها هدفاً يريد توصيله الى مستمعه أو تلميذه. عندما استعرضت شهادات المقاتلين والثوار الذى دربهم فى معسكرات المقاومة فى الأردن وسوريا ولبنان، لفت انتباهى تلك القدرة الفائقة على نسج علاقة صداقة متينة بينه وبين كل مقاتل على حدة.  هو يصاحبهم بنفسه وبسيارته القديمة حتى الوصول الى القواعد، يعيش معهم حياة المعسكرات والقواعد، ويبهرهم بقدراته الفذة.. يحكى بعضهم عن براعته فى حفر المغارات و الملاجئ فى أحراش جرش، كيف يمسك بالفأس والمطرقة ويهون على المقاتلين ظهور فقاقيع الماء المؤلمة على جلد أكفهم، يروون كيف كان يسخن الصخور ليستخدمها لتخفيف آلام الرقبة الرهيبة والبواسير التى كانت تصيبه فى صقيع الجبال! هل كان يعرف تلاميذه من المقاتلين والثوار المثقفين أن وراء تلك الحنكة لمعلمهم إحدى عشر سنة فى المعتقلات، منها خمسة أعوام أشغال شاقة فى أبو زعبل تعلم فيها فنون تكسير البازلت القاسى والحجارة والسير حافى الأقدام؟!

أتذكر فى احدى المرات وكنا فى طريقنا بالسيارة الى شمال الدلتا فى بداية التسعينيات، كيف التفت الى الحقول وبها فتيات فلاحات محجبات يرتدين البنطلونات تحت الجلابية، وكيف قال لى: لا تصدق انهم يستطيعون إرجاعهم الى البيوت.. مادامت الفلاحة المصرية تعمل فى الغيط من ألاف السنين، فلن يستطيعوا حبسها وقهرها! بدت الملاحظة عفوية، ولكنه كان يقصد توصيل درس وفكرة بالقطع. فى إحدى المرات، أخبرنى أن من أول دروسه التى كان يعلمها للفدائيين ألا يعلموا أكثر مما يجب، مقابل ان يُطلب منهم الصمود 24 ساعة فقط تحت التحقيق والتعذيب وبعدها فليعترفوا بما يعرفوه. ومرة أخرى تبرز مقولة عدم تحميل المناضلين بما “فوق طاقتهم”. كان يمتلك موهبة “التعليم عن بعد”، هو لا يطرح فكرته بشكل مباشر ولكنه قادر أن يتسرب بهدوء الى روح محدثه. فى محاضراته فى قواعد الفدائيين ومعسكرات “الأشبال” و”الزهرات” يفاجئهم دائما بما هو غريب وغير متوقع فى البداية، ويستغل قدراته كمؤلف دراما قدير على تدبير مواقف عملية يشاركون فيها، ليبدأ منها نقطة انطلاق حديثه. يحكى جميع من علمهم ودربهم عشرات الحكايات على قدراته الابتكارية الطريفة.

عندما تدخل مكتبه، يُدهشك العدد الكبير من التماثيل الصغيرة والرسوم للحمير. مرة سألته عن السر، فقال لى: “هذا الحيوان مظلوم للغاية..يقولون عنه أنه غبى وهو أذكى منهم، لأنه يعرف طريقه الى بيته لوحده، لن أتحدث عن وفائه وعمله الدؤوب فى صمت”. وحكى لى عن دور الحمار فى التسلل وراء خطوط العدو و نقل الأسلحة وتفجير حقول الألغام، بل و قيامه بنقل جثث الشهداء على ظهره الى قواعد الفدائيين..كان “محجوب” قادرا على جذب انتباه من يقترب منه الى قدرته الفذة فى العمل بهدوء وصمت بالغين.

حاول الكثيرون من أصدقائه مجاراته فى تقشفه وزهده، لكنهم لم يستطعوا الوصول الى تلك الدرجة من الرهبانية والصوفية. علمهم أكل “الطعمية البايتة” وكيف يستطعمونها أكثر من الساخنة الطازجة. أثاث منزله فى غاية البساطة والتواضع وفى غاية الأناقة والذوق فى نفس الوقت. أتذكر كيف حكى لى أحد أصدقائه بمرارة كيف كان يسكن فى القاهرة فى بدروم رطب وخطورة ذلك على صحته، فلقد مرض محجوب بالسل أثناء فترة احترافه الثورى وهروبه فى أوائل الخمسينيات بالقاهرة. وعندما انتقل من سكنه، اختار شقة متواضعة فى الدور الأرضى بحى “المنيرة” الشعبى بالقاهرة. كان يعيش حياة زاهدة، بينما كانت شائعات بدون دلائل جدية، تملأ القاهرة عن أموال ضخمة تمر من بين يديه للقوى الوطنية المصرية مرسلة من قيادة المقاومة الفلسطينية. ولعلى سمعتها منه أكثر من مرة “الغنى فى الاستغناء”.. كم كان غنيا هذا الرجل؟!

ولعله أيضاً الدرس الأول الذى تعلمه محبوه منه: كن بسيطاً متواضعاً مضحياَ صبوراً، وستصل الى الناس بأسرع مايمكن ومن أقصر الطرُق.

– 6 –

ما الذى دفع “محجوب عمر” للانضمام للمقاومة؟ وهل كانت تجربة الفلسطينية بمثاية ميلاد جديد له؟ هل انتقل “محجوب ” من مواقع اليسار الى مواقع جديدة؟ ثم ما سر علاقته الوثيقة بأبو عمار وأبو جهاد وهم متهمون باليمينية؟! ثم لماذا اختار محجوب عند رجوعه الى مصر أن يكون فى موقع الهم “الفلسطينى” وألا يعود إلى موقع المناضل “المصرى” اليسارى؟! كثير من التساؤلات والأسئلة تبحث عن إجابات.

لم يكن رؤوف نظمى  استثناءاً من بين الشباب المصرى والعربى الذى أصابته نكسة 1967 بصدمة كبرى. فى تلك الأيام ظهر جلياً أن أى مشروع للتنمية والنهوض العربى سيكون محكوماً عليه بالفشل اذا لم ينتبه الى الصراع الرئيسى (العربى – الصهيونى) واذا لم يأخذه بجدية. قليل من يعرف أن محجوب وصديقه د.رزق عبد المسيح ذهبا الى الاسماعيلية قبل نهاية حرب 67 وعبَّرا القناة مع آخرين ليلتقطا الجنود والجرحى المصريين التائهين فى صحراء سيناء ويرجعا بهم الى الضفة الغربية للقناة. طبيب مضطهد مفصول يصر على أداء واجبه الوطنى! من عاش تلك الأيام يتذكر ما مثلته المقاومة الفلسطينية من أمل وطريق مقنع لممارسة الصراع و تعديل موازين القوى فى المنطقة. تواكب كل ذلك مع  استشهاد “جيفارا” فى أحراش بوليفيا فى أكتوبر عام 1967، وبروز الكفاح المسلح كطريق للتحرر والنضال ضد كل من القوى الاستعمارية وقوى الاستغلال الطبقى. من هنا، لم يكن “محجوب” استثناءاً، فلقد انضم لصفوف المقاومة الفلسطينية مثله مثل عشرات من المثقفين المصريين اليساريين المرموقين.. مصطفى الحسينى وفهمى حسين وجلال السيد وفاروق القاضى وإبراهيم عامر وغيرهم الذين انضموا لحركة “فتح”، وسرعان ما امتلأت صفوف المقاومة بمئات المصريين.

يتذكر رؤوف نظمى فى شهادته عن مقتبل شبابه مشهدين “لا يمكن أن ينمحيا من ذاكرته”: “مشهد رجل لاجئ كان نازل يشترى أكل لأهله فى السبتية وفجأة وجد القطار اللى محمل لاجئين ماشى ..ماشى ومحدش يعرف ماشى لفين!! الراجل ماسك فى ايده لفة الأكل والعيش وبعدين ابتدى يجرى على الفلنكات ورا القطر!” ، ومشهد آخر تم فيه بيع “واحدة ست (من اللاجئين)وومعاها بنتها 14 سنة أمام عينى فى الحتة..ست جاية عايزة تاكل وتشرب ومعها بنت 14 سنة وانا اعرف جيداً الشخص اللى اشتراها) . بالطبع كان هذان المشهدان فى ذاكرته المخبأة، لكن الانضمام لفتح والمقاومة كان خياراً للعديد من اليساريين المصريين آنذاك.

كانت “فتح” وقتها فى أوج مجدها، أتذكر اذاعتها “صوت العاضفة” التى تبث لمدة ساعة يومية من القاهرة، وأذكر بوسترات شهدائها وعملياتها على جدران المنازل و المساجد فى القاهرة والمدن المصرية الأخرى. وبعد معركة “الكرامة” فى 21 مارس1968 كانت شهرتها وصلت الى أعماق الريف فى مصر، أتذكر قصيدة للشاعر المصرى “زكى عمر”  “الواد بيغنى لفتح فى الترحيلة ..بلادى بلادى بلادى..فتح ثورة عل الاعادى” فأجادله فى صدق المشهد فيحلف برحمة أمه أنه سمعها بأذنه من طفل بقريته يدندن بها!..كان اختيار محجوب لفتح منطقياً اذاً، ولكن اذا تأملنا أفكاره الذى كنا نتناقش حولها سوياً، ندرك أن وراء اختياره، تقف فكرته الاساسية عن “التيار الرئيسى” للأمة و ضرورة عدم الابتعاد عنه، وتقف أيضا فكرته القديمة عن الجبهة الوطنية الواسعة. كانت “فتح” بالفعل جبهة واسعة فى شكل تنظيم فضفاض، تسع لأقصى اليمين القادم من مواقع الاخوان المسلمين و أقصى اليسار بكافة تلاوينه.

ولعل سر العلاقة الوثيقة التى ربطت “محجوب” بأبو عمار وأبو جهاد يكمن فى  إعجاب من الطرفين..إعجابه بعملية وبرجماتية ونشاط ابوعمار وبدأب وجدية أبو جهاد البالغة، وإعجاب القيادتين بالقدرات الفذة لمحجوب التى حولته الى أيقونة نضالية بين المقاتلين وسكان المخيمات. بعد وفاة “محجوب” كتب أحد كبار الصحفيين المصريين مشيراً الى عزوف “محجوب” عن الارتباط بالتنظيمات اليسارية على الساحة الفلسطينية، بل وأيضاً ابتعاده عن “يسار فتح” وكأنه موقف اتخذه من اليسار والاشتراكية وماضيه الشيوعى. المنطق والحقيقة تخالف ما ذهب اليه هذا الكاتب. كما قلنا اختار محجوب “فتح” لإيمانه بفكرة “الجبهة”، وكان منطقياً وطبيعيا ألا يلتصق بيسار “فتح” المتمثل فى أبو اياد وأبو صالح وماجدأبو شرار الذين كانوا يميلون الى النمط السوفييتى الأروبى للأفكار اليسارية. كان محجوب متأثراً بأفكار الثورة الصينية والفيتنامية، فى شهادة لأحد مقاتلى فتح الكاتب والسفير “عدلى صادق” الذى التقاه فى معسكر فى “سيل الكرك” بالأردن: “كان يحاكى تجربة ثائر عالمى كجيفارا. طبيب لكنه محارب. ومحارب لكنه مثقف وكاتب. كان الأطول نفساً فى فى الصبر على القراءة، فالصينيون كانوا يرسلون لنا مع السلاح والذخائر مطبوعات فاخرة لمؤلفات مطبوعة على ورق شفاف لماو تسى تونغ. لم يكن أحد يصبر على قراءتها، وأذكر منها كتاب “ست مقالات عسكرية”. لكن د. محجوب كان يصبر على قراءة ماو بعناية”.

اختار”محجوب” طريق الجزائر للوصول الى فلسطين، فقد كانت معسكرات “فتح” وقوات “العاصفة هناك” فى الجزائر، حيث تلقى دعماً من جزائر “هوارى بومدين” وكوادر جبهة التحرير الجزائرية ذات الخبرة الطويلة والعريضة فى حروب العصابات.  يلتقى فى الجزائر بأبو جهاد المتمركز هناك، ويلح عليه فى الانضمام كمقاتل فى قوات العاصفة وليس كطبيب، وعندما تأتى موافقة أبو عمار على التحاقه بالقوات فى منتصف مايو 1969، يحتار أبو جهاد ماذا يكتب على قرار التحاقه فيكتب ” يلتحق الدكتور محجوب عمر بقوات العاصفة بصفتة بَرَكة للقوات” ..وتأتى مسيرة محجوب الفلسطينية لنجد أمامنا “بركة القوات” مفكراً وقائداً جماهيرياً وقائداً عسكرياً ميدانياً ومدرباً ومعلماً للمقاتلين، ومخططاً استراتيجيا من طراز رفيع.

يفتخر الفلسطينيون بوجود قائد مثل “محجوب”، ويعتبرونه من أباء “فتح”، لا تقل قامته عن ابو عمار وابو جهاد وابو إياد وغيرهم من “الأباء” رغم رفضه أن يتولى أى منصب قيادى فى الصف الأول فى مؤسسات فتح.

فى الأردن يؤسس للخدمات الطبية العسكرية لقوات العاصفة، ويفتتح عيادات شعبية للأهالى. يتمركز فى جنوب الأردن بين العشائر والقبائل الأردنية، وينجح فى نيل ثقتهم. يخوض تجربة التفويض السياسى، ليكون مفوضا سياسيا للقوات فى جنوب الأردن. تلك هى  تجربة التفويض السياسى ذات الطابع اليسارى، والتى ساهم فيها مع الشهيد ماجد أبو شرار داخل فتح تأثراً بتجارب حروب الأنصار الاشتراكية. يذهب الى الصين ليثرى التجربة، التى أخرجت مئات الكوادر والمتقفين والمفكرين الذين يملأون الساحة العربية اليوم.

ومرة أخرى، تقفز أمامنا كلمة السر فى مسيرة حياته: “الناس”. عشية أحداث أيلول الأسود يرفع شعار :”لن نطلق النار على الجماهير حتى لو كانت تطلق النار علينا”..وبالفعل  يستشهد فى جنوب الأردن أربعة مقاتلين من رفاق محجوب، رفضوا الرد على إطلاق النار عليهم. محجوب يصر على عدم الانسحاب من مراكز المقاومة و عيادات الجنوب، ويبدأ تدفق عشائر غريبة عن المنطقة الى الشوبك وطفيلة ومعان، ويتم حصاره مع ثلاثة من رفاقه من جنود وبدو مؤيدين للملك حسين فيحميه بأجسادهم أهل الشوبك ليكوِّنوا سياجا بشريا لانقاذه من الاغتيال. يتكرر نفس الشعار والموقف فى لبنان فى فترة  الحرب اللبنانية. البوصلة الأساسية هى شعار يرفعه: “فلتتجه كل البنادق الى العدو الصهيونى”. بعد الانسحاب من جنوب الأردن يقدم “محجوب” تقريراً عن أحداث أيلول هناك ودروس العمل بين عشائر البدو ينهيه بجملة بليغة: ” يقول “خبراء” إن البدوي لا يحترم إلا أحد أحمرين: الدم أو الذهب، وتقول خبرة الثورة الفلسطينية في جنوب الأردن أن شيئاً آخر يحبه البدوي ويحترمه أكثر من هذين الأحمرين، ذلك هو الانتماء الفعلي للناس وللأرض وللقضية”. تلفت تجربة “محجوب” فى جنوب الأردن وبعدها فى عمان فى “مستشفى الأشرفية” وفى أحراش جرش بعد اعادة تمركز الفدائيين الأنظار اليه بشدة.. هاهو قائد ميدانى وجماهيرى وصاحب رؤية سياسية استراتيجية فى نفس واحدة.

بعد انسحاب الفدائيين من الأردن، ينتقل “محجوب ” الى لبنان كمفوض سياسى للقوات، ويلحق بكتيبة نسور العرقوب. ومع بداية الحرب الأهلية في لبنان كان الدكتور “محجوب” في بيروت حيث ذهب وعاش بمخيم تل الزعتر أثناء حصار القوات السورية له، وبعدها ينتقل للعمل في مركز التخطيط والأبحاث التابع لفتح. يساهم محجوب فى العمل فى “القطاع الغربى” المسؤول عن التواصل مع الأرض المحتلة والعمليات داخلها والذى يرأسه “أبو جهاد”. ويجتذب الى مركز التخطيط ومركز الدراسات الفلسطينية أفضل العقول الوطنية العربية. بعد خروجه من بيروت يذهب الى القاهرة ليفتح مكتبا للدراسات، كان يصرف عليه من ماله الخاص. يترجم  أهم الدراسات الفكرية والسياسية العالمية ويكتب بنفسه دراسات مهمة للغاية. كان أبو جهاد ومعاونوه فى الغربى، ومن بينهم محجوب، وراء التخطيط للانتفاضة الأولى فى ديسمبر عام 1987. أتذكر جيدا فى بدايات التسعينيات المبكرة من القرن الماضى كيف عنَّت لى فكرة دراسة قوى الضغط وأحزاب المهاجرين السوفييت والروس فى اسرائيل أثناء الانتخابات البرلمانية، وكيف لجأت اليه؟ وفى ظرف أسبوع استطاع محجوب باتصالاته داخل أراضى 48 توفير كافة الجرائد الروسية المعبرة عن أطياف المهاجرين، وكيف استدعانى لمكتبه ليعطيها لى مع ابتسامة عريضة وكلمته الأثيرة “احنا خدامين اللطافة”، و أسفرت “خدمة اللطافة” عن دراسة رائدة تم نشرها فى مجلة “دراسات فلسطينية ” آنذاك. فى مكتبه  البسيط و الضيق بالقاهرة  تجد أغنى وأحدث مكتبة خاصة بالصراع العربى الصهيونى وبإسرائيل. هناك قابلت العديد من المفكرين العرب والاجانب الذين كانوا حريصين على زيارته ومحاورته. كان “محجوب” ذخيرة المقاومة الفلسطينية فى اجتذاب دعم المثقفين العرب والأجانب. وفى القاهرة يقيم “محجوب” أوسع علاقات جبهوية مع كافة فصائل العمل السياسى المصرى. من المستحيل ألا تجد محجوب فى أى مؤتمر أو ندوة سياسية أو فكرية فى القاهرة، ولا يشارك فيها بحيوية.

فى مرحلة “القاهرة”، كان “محجوب” ممثلاً للثورة الفلسطينية لدى كافة أطياف القوى السياسية المصرية، ولعل ذلك يفسر عدم انغماسه فى صراعات الحياة السياسية المصرية من جديد. وربما تهيأ للبعض أن محجوب الذى يعرفونه قد ولد من جديد، وأنه فلسطينى أكثر من مصرى. كانت المسألة بالنسبة له اختياراً لجبهة النضال، وكان هو الرجل المناسب فى الموقع المناسب للثورة الفلسطينية الذى لا يمكن الاستغناء عنه أو تعويضه. أتذكر كيف كان فى قمة الفرح ذات يوم، عندما أسَّر لى أنه استطاع ادخال الشيخ “أحمد ياسين” للعلاج فى مصر عبر وساطته ووساطة “فتح”..مرة  أخرى هاجس “الجبهة” والانفتاح على كافة القوى.

– 7 –

 كان محجوب مفكراً من طراز رفيع، قادراً على طرح أعقد القضايا بأبسط الجمل والتركيبات اللغوية. وفى نفس الوقت امتلك جرأة يحسده عليها الكثيرون فى طرح تلك الأفكار ، حتى ولو خرقت القواعد التقليدية المستقرة فى أذهان الكثيرين. ذكرنا بدايات تمرده فى المعتقل على الخط السوفييتى التقليدى، وكيف قام مع مصطفى طيبة وشخص آخر فى المعتقل بترجمة وثائق المؤتمر السادس لحزب الشيوعى الصينى فى عام 1965 فى 3-4 أيام، وتوزيعه بسرعة قبل مصادرته، وكيف تم تجميده للتحقيق الحزبى بسبب ذلك. والحق أن خطاب محجوب الفكرى مبنى على الافكار الاساسية لماوتسى تونغ، إنها أفكار الاعتماد على الذات والتماهى مع الجماهير “الناس” وثقافتهم.

وعندما خرج “محجوب” من المعتقلات، كانت الثورة الثقافية الصينية ملء الأفاق، وكان انبهار المثقفين التقدميين المصريين بالتجربة الصينية على أشده. من هنا تأتى أفكار وشعارات “محجوب عمر” فى خط الجماهير وخط حرب التحرير الشعبية طويلة الأمد، وأيضاً تبنى الاسلام كمرجعية حضارية ثقافية للأمة. كانت فكرة التيار الرئيس للأمة مسيطرة على تفكيره، وعلى أن المناضل كى يكون مؤثرا يجب عليه أن يكون ضمن هذا التيار وعلى حوافه..إنها تشبه الى حد كبير مقولة ” لا تسبق الجماهير بأكثر من خطوة” حتى لا يحدث انقطاع بينك وبينها، ولكن كن دائما فى المقدمة لتدفعها لأخذ مواقف ثورية تقدمية. ولعل تجربة “الكتيبة الطلابية” كانت مختبرا تلك الأفكار، ولكن الى أى مدى اقترب محجوب من “الاسلام السياسى”؟!

كان كثيرون ممن يقرأون جريدة “الشعب” المصرية يظنون أن مقالاته مكتوبة بقلم كاتب مسلم الديانة، لقربها من الخطاب الاسلاموى. ذات مرة، وبعد انتخابات مجلس الشعب فى 1987 انتقدت صديقه عادل حسين لرفعه شعار “الإسلام هو الحل”، معتبراً إياه غوغائية سياسية. وذكرت له كيف ان حزب التجمع “اليسار الرسمى” قد استلهم مقولة على بن أبى طالب ” لو كان الفقر رجلا لقتلته”، فرفع فى المقابل شعار “هيا معاً لنقتل الفقر”! وكيف أتى ذلك بنتيجة عكسية، فلقد أزعج الشعار الفقراء الذين تساءلوا : ولماذا يريدون قتل الفقراء المساكين! ..المهم أن شعار اليسار لم يكن مفهوما ولم يصل الى الجماهير. قال لى “محجوب” آنذاك أنه نصح بعض التجمعيين أن يرفعوا شعار “اسلام الفقراء هو الحل”.

لم يرتكب “محجوب” الخطأ الذى ارتكبه كثيرون من رفاقه تأثراً بالثورة الايرانية وجماهيرها الحاشدة التى أيقظت فى ذاكرتهم دور “الجماهير”، لم يغير دينه كما فعل البعض ليتماهى مع الجماهير. ولم ينخرط فى تنظيمات دينية تطمس الأبعاد الاجتماعية والسياسية، فيتحول التقدميون المتحولون فيها بعد فترة الى مجرد ذيول لتيارات متخلفة، تدفع سفنها رياح التعصب وضيق الأفق والطائفية. لعله كان واعياً بمأساة ما حصل للبعض من “الكتيبة الطلابية” حيث انتهت حياتهم بفعل الاغتيال حين حاولوا التمرد على ما وقعوا فيه، أو ذابوا بلا أثر ولم يتركوا بصمات على تلك التنظيمات الاسلاموية أو الطائفية. تنير مناقشاتى المتعددة معه الخيار الذى اختاره: الاشتباك مع ثقافة المجتمع، التماهى مع الجماهير واحترام ثقافتها وفى القلب منها الدين. أتذكر اهتمامه الشديد بذهابى الى الجامع وصلاة الجمعة، فقد كان يؤمن بأن الثائر الحقيقى يكون أينما يكون الناس بينهم وبهم.

تبدو أيضاً فكرة الجبهة بين كل التيارات الأصيلة فى الأمة عميقة للغاية فى وعيه منذ شبابه. فى عام 1954 ينشئ بين تنظيم “الراية” وجماعة “الاخوان المسلمين” جبهة ضد الاعتداء على الديمقراطية ومعاهدة الجلاء التى تبيح للانجليز العودة الى القناة فى حالة وجود حرب او خطر. كان محجوب عمر “همام” يمثل “الراية” وسيد قطب مسؤول اتصال عن “الاخوان”. ولعلها سابقة تاريخية، تؤكد التوجه الاصيل لمحجوب نحو انشاء الجبهات. يذكر فى شهادة له كيف نسق للتظاهر بين القوى الوطنية فى جامعة القاهرة وكيف بدل شعار الاخوان “الله أكبر..ولله الحمد” الى شعارين وطنيين هما: “الله أكبر يحيا الشعب” و”لله الحمد اتحد الشعب”. وتستمر تلك الفكرة معه فى مرحلته الفلسطينية

فى عام 1975 يصدر كتابه “حوار فى ظل البنادق التاريخ والأمة والطبقة والتجمع الصهيوني” الذى استدعته مناقشاته  فى معسكر العمل الدولى فى الكرك عام 1970  “حوار في ظل البنادق و خطابات رامى ليفنه ويهودا أديف زعماء تنظيم “الجبهة الحمراء” أمام المحكمة العسكرية فى حيفا حول النضال المسلح ضد الصهيونية. فى هذا الكتاب يفضح “محجوب”  الصهيونية وينسف فكرة “القومية اليهودية” من أساسها ويشكك فى امكانية نشوء “هوية اسرائيلية” ويطرح أفكار المقاومة الفلسطينية من منظور يسارى وفى حوار فكرى راق مع اليسار العالمى.

لا يتوقف محجوب ولا يتكلس فى مواقفه ورؤيته للقضية الفلسطينية. تتطور وتتغير أفكاره حول الصراع العربى- الصهيونى. الرجل لا يغير مبادئه ولكنه يغير أفكاره حسب مسار الصراع وتغيرات موازين القوى. كان يؤمن بأن الصراع مع الصهيونية سيستمر رغم أشكال التفاوض والمعاهدات التى توقعها الأنظمة العربية مع اسرائيل. كان فى بداية مسيرته الفلسطينية يرى فى الكفاح المسلح الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، ومع المسار المتعرج للصراع أدرك أن الصراع سيستمر متخذاً أشكالاً وأساليب مختلفة للنضال. رفع شعار “دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية فى أواخر الستينيات والسبعينات من القرن الماضى، لكن تطور الأحداث يدفعه الى مواقع أكثر مرونة وواقعية.

انتقد التصرفات المتطرفة لبعض التنظيمات الفلسطينية فى الهجوم على عبد الناصر بعد مبادرة روجرز وساهم فى تسييد موقف عقلانى معتدل لفتح. ساهم فى صياغة خطاب ياسر عرفات فى الأمم المتحدة فى عام 1974، ذلك الخطاب الرائع الذى صاغه لغوياً ادوارد سعيد ومحمود درويش، وانتهى بلا تسقطوا غصن الزيتون من يدى ليبرز الوجه الانسانى والحضارى للثورة الفلسطينية. حتى “كامب ديفيد” تناولها فى ورقة محدودة التداول داخل فتح تحت عنوان “إستراتيجية المفاوض المصرى” بمنطق عقلانى يرفض التخوين ونظرية المؤامرة، فقد كان يعرف حدود الأنظمة البرجوازية الحاكمة ولكنه فى الوقت نفسه يعى امكانية استمرار الصراع واتخاذه أشكال متعددة. كان قبوله لاتفاقات أوسلو مسار تساؤل كبير من رفاقه، “منير شفيق” كان يرى أن حساسية وضع محجوب كمصرى وثقته الكاملة فى أبو عمار والاصرار على عدم تركه وحيدا هى دافع محجوب لقبول “أوسلو”. يفسر “محجوب” قبوله “أوسلو” فى كتابه”الاختراق” الذى يدل اسمه على محتواه.

تنطلق وجهة نظره من الواقع وموازين القوى قبيل الاتفاق، وإيمانه باستمرارية الصراع بأساليب مختلفة، مع القبول بأن مرحلة مجابهة الجيوش قد انتهت. محجوب يعلن عن بدء الصراع فى بعده الشعبى ويخطط لامكانية اختراق المجتكع الاسرائيلى واذابة أربعة مليون يهودى باسرائيل وسط طوفان شعبى عربى.

أتذكر جيداً كيف اختلفنا على “أوسلو” آنذاك، وكيف سخر من شكلية وسطحية مقولة تدنيس الجوازات العربية بختم إسرائيل لدخولها.. ذات مرة قال لى “فلتذهب الى هناك ولتخرب، افتح صنابير المياه واغرق غرفة الفندق.. أشعل مصابيح الكهرباء طوال النهار”.. كانت تلك طريقته فى استفزاز المحاور وطرح القضايا. طرح على الذهاب الى رام لله والعمل فى مركز للدراسات هناك، رفضت بشدة ولم تؤثر مواقفنا المتعارضة فى علاقتنا. فى عام 1993 لم أتحمل و استوعب تداعيات أوسلو وبروز تحالف كوبنهاجن المصرى بقيادة مثقفين تقدميين مصريين، صارحته بأزمتى وتفكيرى بالسفر للخارج، قال لى:

“سافر.. وارتاح شوية”. وكانت تلك تغريبتى الثانية عن مصر. الآن، وعندما أعيد النظر فى مسار الصراع العربى- الصهيونى أجد أنه كان محقاً فى الكثير مما قاله فى كتابه “الاختراق”. حملت “أوسلو” بداخلها مخاطر محققة، كان من الممكن تطويقها. يجتهد “محجوب فيصيب ويخطئ، ومرة أخرى أتذكر درسه الأول للفدائيين: “كن دائما مهاجماً”.. ونصيحته “إذا لم تستمر فى تحريك بدال العجلة (البسكليتة)، فسوف تقع”.

– 8 –

شخصية “محجوب” المتألقة متعددة الجوانب، ولعل تعدد مواهبه وتفرد امكاناته كانا السبب فى اتساع مداركه ورؤيته. هو كاتب أديب صاحب قلم مبدع وأسلوب مميز للغاية. من يقرأ له “قصة الأشرفية” و “الناس والحصار” يدرك كيف كان قلم محجوب سلاحاً ماضياً للثورة الفلسطينية. تنضح كتاباته، حتى ذات البعد الاستراتيجى والنظرى، بروح درامية بارزة. لم يكن بعيداً عن عالم الفن والأدب. ألف المسرحية وكتب قصص الأطفال وقرض أشعاراً ليتم تلحين وغناء بعضها. كان  منهمكاً فى مهامه الفدائية فى الأردن، لكن لم يمنعه ذلك من أن يؤلف مسلسلين دراميين عن تاريخ النضال الفلسطينى أذاعتهما  إذاعة “صوت فلسطين “على موجات “صوت العرب”. يتم عرض مسرحيته “السبع فى السيرك” فى مخيمات اللاجئين فى لبنان باخراج “روجيه عساف”. يؤلف قصصاً بديعة للأطفال تجمع بين البساطة وعمق المحتوى، ويؤسس مع نبيل شعث واسماعيل عبد الحكم دار الفتى العربى لتتخصص فى مخاطبة الأطفال والناشئة وتوعيتهم بقضايا تحرر أمتهم. أشعاره تفيض عاطفة وحكمة..أى رجل هذا الذى يستطيع أن يكون مقاتلا و طبيبا وكاتبا ومسرحيا وشاعرا ومفكرا ومنظرا وقائدا جماهيريا فى آن واحد؟! لم يعرف طريقا للوصول الى الناس الا وسلكها!

تعددت أوصافه ويتفق الجميع أن يطلقوا عليه لقب “جيفارا المصرى العربى”، ولكن هل كان جيفارا له كل تلك القدرات والمواهب والانجازات؟! لعل روح التضحية والزهد والتفانى فى خدمة الناس، هى التى جمعتهما فى صورة واحدة. ولعل أيضا قصيدته “على بابك يا ست”، التى تعد من أجمل القصائد التى كتبت فى السيدة زينب ومقامها، هى التلخيص الذكى لقضية “محجوب عمر” وانتمائه للناس وثقافتهم. فى آخر مقاطع القصيدة يقول “محجوب”:

 بيطمنوني يا ست
 إن كان على دخول المقام .. ح اخشّ المقام
 الشرط لازم أنام
 أغمض عيني ولا انطقش الكلام
 لــكن دنا بتكلم وأنا نايم
 وحتى ان نمت يا ست
 راح اصحى ساعة الفجر
 مين يدّن الفجر غير واحد
 بيسعى لرزقه ساعة الفجر
 غير اللي داق الوصال والهجر
 ما اقدرش انام ما اصحاش
 إلا في جوف الأرض
 حق عليا وفرض
 وحتى في جوف الارض
 حا يقف على رأسي حجر يشهد على عشقي
 محسوب ولد محسوب
 وكأنه كان مكتوب
 اطلع انا المحسوب ..
 من يومي و اكون ع الباب.

ذلك هو مفتاح شخصية “محجوب عمر” ..”الناس”. له قصيدة رائعة يقول فيها «أنا اسمى جمهر مفرد جماهير..» كان معجوناً بألام وأمال “الناس”، فعاش بينهم لهم وبهم، وتحدث معهم بلغتهم، فحملوا ذكراه فى قلوبهم.
ملحوظتان هامتان:

1-    استعنا فى مقالنا عنه بلقاءات شخصية معه ومع أصدقائه، وبكتاباته المتنوعة والتى تم جمعها  فى كتاب “كتابات محجوب عمر”- الجزء الأول، وبمحاضر التحقيق وتحريات المباحث فى القضية2327 لسنة 1954 التى نشرها المحامى الراحل عادل أمين، وبشهادة منشورة لمحجوب عن تجربته المصرية فى كتاب “سبع شهادات لليسار تأخرت كثيراً” لصادر عن دار العربى للتوزيع والنشر، وبشهادات لمناضلين فلسطينيين عنه تضمنتها مقالات  وكتب متنوعة.

2-    لعل هذا المقال هو الأصعب فى حياة كاتبه، فلقد استغرق منه عدة شهور. وتمثلت الصعوبة فى أن محجوب عمر كان قليل الحديث عن نفسه فى محاوراته الشخصية مع الغير، مفضلاً الحديث عن الأفكار والقضايا الآنية. وكان إقتراب الكاتب الى حد كبير لمحجوب وتأثره بمسيرته الانسانية والسياسية سبباً آخر، فما أصعب أن تكتب عن صديق غالى. ويأتى رفض عائلة محجوب لنشر العديد من مواقفه الانسانية وتضحياته فى حياته الخاصة وفى علاقته بالمقاومة و مؤسساتها المتصفة بالعطاء من جانبه سببا اضافيا لتلك الصعوبة. لقد سمعت وشاهدت بأم عينىَّ تلك المواقف، لكننى لا أقدر أن أكتب عنها دون موافقة عائلته وزوجته المناضلة الصبورة منى عبد الله عاقورى التى وقفت معه طوال معركته الطويلة القاسية مع المرض المقعِد، الذى قاومه سنين طوال على طريقة “حرب العصابات”!