الكتابة عن محجوب عمر ليست أمرا سهلا بالنسبة لي لأنني لا أستطيع الكتابة عنه بتجرد. لقد تعرض محجوب لموقف مشابه حين كان عليه أن يقدمني لمجموعة منتقاة من المناضلين الفلسطينيين في مركز التخطيط ببيروت في أوائل عام 1977 لأحدثهم عن سيكلوجية الصابرا الإسرائيليين. تردد محجوب قليلا وقال في مستهل تقديمه لي ما معناه أنه يصعب على المرء أن يتحدث عن نفسه. و كرر نفس المعنى بعد ذلك بسنوات و هو بصدد تقديمي متحدثا إلى وفد التفاوض الفلسطيني الذي استضافته القاهرة في منتصف مايو 1992.
و أجد نفسي الآن في موقف أصعب، فالمطلوب مني ليس مجرد كلمات منطوقة ولا كلمات للنشر في صحيفة بل كلمات تطبع علي الورق لتبقى. وما أن شرعت في الكتابة حتى اكتشفت أنها المرة الثانية التي أحاول فيها الكتابة عن محجوب. كانت المرة الأولى في الأول من فبراير 2004، حين دعاني الصديق الأستاذ جمال الغيطاني لكتابة كلمات عن محجوب في مجلة “أخبار الأدب” بمناسبة تقليده وسام “نجمة القدس”.
بعد ما يزيد عن الأربعين عاما من العلاقة الممتدة التي تضافر فيها ما هو شخصي بما هو فكري بما هو سياسي، تصبح كتابتي عن محجوب مسكونة بالكتابة عن الذات وهو أمر بالغ الصعوبة بالنسبة لي كما كان بالنسبة لمحجوب. ربما كان الأمر أيسر لو كانت الكتابة عن محجوب عمر الشاعر العامي المبدع المقل، أو عن محجوب عمر كاتب قصص الأطفال المتميز والمقل أيضا، أو غير ذلك من مواهب محجوب المتعددة القابلة للنقد والتقييم، أما وقد اخترت الكتابة عن محجوب الإنسان الذي أعرفه، فالمهمة شاقة بالفعل.
لقد سمعت عن “الرفيق محجوب” قبل أن أراه. سمعت عنه في النصف الثاني من الخمسينات. همسات تتردد في حلقات التنظيمات الشيوعية عن مناضل شيوعي سجين “مثير للجدل”. لم يعلق الإسم بذاكرتي طويلا فقد كنت وافدا جديدا على تلك الحلقات. كل ما رسخ عندي أنه “شخصية مثيرة للجدل”، وذلك يعني أنه شخص له حضور لا يمكن تجاهله أو اتخاذ موقف محايد حياله : من يحبه يؤخذ به تماما، ومن يرفضه يتجاوز في رفضه له كل الحدود، وساعد على هذا التباين الحاد – إلى جانب الحضور الشخصي الطاغي لمحجوب – طبيعة المناخ النفسي المتطرف الذي يسود عادة أجواء الحركات والتنظيمات السرية. هكذا سمعت عن محجوب قبل أن أراه.
ولم يَمْضِ وقت طويل حتى رأيت محجوب وعرفت اسمه الرسمي حين انضممت إلى نزلاء معسكر تعذيب أوردي ليمان أبو زعبل في 26 نوفمبر 1959. تحت سياط الجلادين رأيت المعتقل الشيوعي “رؤوف نظمي”. رأيته ورآني وكلانا مثخن بالجراح، ولكنه كان دوما كعادته مبتسما متفائلا رغم العذاب. ويعرف من مرّوا بمثل تلك الخبرة القاسية كيف يتعرّى فيها الإنسان، ليس من ملابسه فقط، بل يتعرّى نفسيا بحيث يصبح شفافا تماما. وأستطيع القول أن علاقتنا الإنسانية قد بدأت حين رأى كل منا الآخر في لحظة الشفافية هذه، واستمرت ومازالت مستمرة عبر السنوات.
خرجنا من المعتقل مولين ظهورنا للعمل السياسي التنظيمي السري، دون أن تنقطع صلاتنا بهموم الوطن وقضاياه، وبدأ كلانا ممارسته المهنية. عدت أخصائيا نفسيا بوزارة الصناعة وعُيِّنَ رؤوف طبيبا بمستشفي دمياط التابع لوزارة الصحة المصرية. ولم تمض سنوات قليلة حتى واجهتنا لحظة مكاشفة جديدة. لحظة كارثة يونيو 1967. كانت لحظة صدمة شبيهة بصدمة التعذيب. عشتها مع محجوب وعدد من الأصدقاء. لحظة مراجعة قاسية للذات شملت كل شيء تقريبا. استغرق بعضنا في جلد قاس للذات استمر فيه واستمرأه ربما حتى يومنا هذا، وأولى بعضنا ظهره كلية للعمل العام بل ولكل ما هو عام، وتباينت اختيارات البعض لشكل إسهامهم في العمل الوطني، وكان خياري الشخصي أن أحاول فهم العدو الإسرائيلي فهما علميا من خلال تخصصي في علم النفس، أما رؤوف فقد اختار اختيارا آخر، اختار مواجهة العدو والاشتباك معه مباشرة. و كان قراره السفر إلى الجزائر طبيبا.
وصلني أول خطاب منه من الجزائر مؤرخ في 23-10-68 بعد سفره بأيام. وبدأت منذ ذلك التاريخ وطيلة سنوات غربته، سلسلة متبادلة من الخطابات المطوّلة بيني وبين محجوب، خطاب أسبوعي على الأقل من كل منا للآخر. نناقش فيه كل شيء. كنت أنصحه بألا يتخلى عن حرفته كطبيب لصالح العمل العسكري الثوري، وأن عليه ألا يستبعد العودة إلى مصر ليكافح كطبيب للغلابة، وكان ينصحني بالاستمرار في محاولة فهم العدو الإسرائيلي معترضا على تعبير كنت أستخدمه في وصف ما أقوم به من دراسة بأنها نوع من “الهروب الثوري”. أظن أنني حاولت وما زلت أعمل بنصيحته ولكني أشك في أنه أخذ نصيحتي مأخذ الجد.
منذ وصول رؤوف إلى الجزائر، بدأ يتعجل الالتحاق بالمقاومة الفلسطينية وكتب لي بتاريخ 29-11-68 بعد ما يقرب من شهر يقول “ما زلت أسعى للسفر حيث القتال يدور… وعلى الدوام أقابَل بابتسام ووعود… من المؤسف أن يقضي الإنسان أكثر من ثلاثة أرباع عمره منتظرا”. كنت مشفقا عليه من المغامرة ولكنه كان قد أصبح مأخوذا بالثورة الفلسطينية. يقول لي في 29-11-68 “أحاول الآن أن أذهب إلى الشرق، و أتوقع ردا على ذلك… الغريب أنني كلما قرأت عن الشهداء وأسرهم أو النضال في الشرق تقفز الدموع إلى عيني كأني طفل”. و يبدو أن العديد من الأصدقاء كانوا يلحون عليه في العودة، فيكتب لي في 21-5-69 “لن أعود إلا إذا تعودت أذناي صفير المدافع والطائرات والصواريخ، وتلطخت يداي بالدم والطين، وأكلت من عشب الأرض جوعا، و شربت دموع أطفال اللاجئين. حينئذ قد أعود، بل سأعود ربما عن طريق يسده العدو اليوم”. هكذا كانت الأمنية وكان الحلم.
تحققت أمنيته أخيرا وكتب لي بتاريخ 21-5-69 مستهلا خطابه مباشرة بقوله “عزيزي قدري: هكذا حُسِمَ الأمر، و هاأنذا أمضي. أنا أعرف أنني سأواجه واقعا حيا مليئا بالمشاكل والتخلف، ولكني أثق أن الكفاح المسلح وحده هو الطريق إلى أي بلورة ثورية حقيقية، كما أنه السبيل الوحيد لكي يتعلم المرء من جديد كيف يناضل. لست مخدوعا في أي شيء، وقد كان من كرم هؤلاء الثوار أن سمحوا لي بالانضمام إلى ركبهم وقد حذروني بأنفسهم مما سأواجه وأجد. سأتعلم وأحاول أن أقدم للثورة أقصى ما أستطيع” ولا ينسى أن يوصيني “… لا بأس أن تبلغ الأصدقاء بين الحين والآخر أنك عرفت أنني بخير حتى ولو كذبت”. بعد هذا الخطاب أصبحت الخطابات التالية لا تحمل توقيع “رؤوف”، بل “محجوب عمر” بعد أن انضم لصفوف فتـح.
قبل أن يغادر الجزائر، جمع رؤوف ملابسه “المدنية” ووضعها في حقيبة وبعث بها إلي محملا إياي مهمة أن أسلمها إلي أسرته تاركا لي صياغة الرسالة المناسبة. وكانت مهمتي في إبلاغ الأسرة مهمة صعبة. ما أن فتح مراد شقيق محجوب الحقيبة واكتشف أن بها كافة الملابس التي أخذها محجوب معه حتى كاد أن ينهار باكيا. لقد استنتج أن مكروها قد حل بنظمي واستغرق الأمر وقتا لكي أخبره أن نظمي – أي محجوب – بخير و أن كل ما هناك أنه قد التحق بصفوف فتح. ما زلت أذكر نظرة الشك في عينيه وهو يتساءل “هل في فتح لا يرتدون قمصانا وبنطلونات؟ لماذا هو بالذات يستغني عن ثيابه؟” وأخذت أحاول أن أشرح له أن محجوب لم يلتحق بفتح بوصفه سياسيا أو طبيبا فحسب ولكن باعتباره من القوات أي من “العسكر”. لا أظنه قد اقتنع ولكنه على الأقل قد اطمأن أو بدا لي كذلك.
و اندمج “الأخ الدكتور محجوب عمر” في صفوف مقاتلي فتح، وروى لي من عرفوه في أغوار الأردن ما يكاد أن يكون تكرارا لصورة “الرفيق محجوب” في زنازين سجن الواحات الخارجة، ولصورة “الدكتور رؤوف نظمي” الطبيب بمستشفي دمياط الأميري. الإقدام على الخدمة العامة دون تفلسف أو تأفف مهما كانت طبيعة تلك الخدمة. فكما كان يصر على تولي مسئوليات تنظيف الزنزانة الجماعية التي يقيم فيها، كان لا يجد حرجا وهو الطبيب المسئول في المستشفى الحكومي من أن يقوم بنفسه بعدّ الليمون الذي يورده المتعهد ليضمن شخصيا عدم تلاعبه في أغذية المرضى، لذلك لم أندهش حين روى لي أحد الأصدقاء الفلسطينيين كيف أن واحدة من المريضات ذهبت إلى عيادة منظمة فتح بإحدى مناطق الأردن لتجد شخصا منهمكا في تنظيف حجرة العيادة وتطلب منه مقابلة الطبيب فيرجوها الانتظار، وتنتظر السيدة، و ينتهي التنظيف، ليستدير لها “الأخ الدكتور محجوب” يسألها عن شكواها. وتكاد المرأة أن تصرخ وقد ظنت أن واحدا من عمال النظافة يحاول انتحال شخصية الطبيب.
عاش محجوب خبرة الثورة الفلسطينية في الأردن حتى مذبحة أيلول الأسود، وكتب لي بتاريخ 23-10-70، وقد آذنت قوات الثورة بالرحيل عن الأردن “بنينا هنا نصبا تذكاريا للشهيد المجهول… وفرغت منذ أسبوع من كتابة قصة مستشفى الأشرفية كما شاهدتها وعشتها، ولم أكن أظن أنني سأبقى لأسجلها.”
وينتقل “الأخ الدكتور محجوب” مع قوات الثورة الفلسطينية إلى لبنان، وتكون أول طائرة أركبها في حياتي هي تلك المتجهة إلى بيروت في أوائل 1977 وتكررت الزيارات لألتقي من خلال “الأخ الدكتور محجوب عمر” بالعديد من المناضلين الفلسطينيين. أبوعمار، والشهيد أبوجهاد، والشهيد أبو الهول (هايل عبدالحميد)، وحمدان (يحيى عاشور)، وراجي النجمي، وأبوفادي (منير شفيق)، والشهيد جواد أبو الشعر، ومحمد المدني، وجمعة غالي، والياس شوفاني وغيرهم كثير. وما زلت أحتفظ ضمن أوراقي ببطاقة هوية تحمل صورتي ورقم 301 صادرة بتاريخ 25 يناير 1980 موقعة من محجوب عمر عن مركز التخطيط الفلسطيني. وفي حقيقة الأمر لم أكن في حاجة لتلك الهوية، كان يكفي أن أكون صديقا لمحجوب لكي تنفتح أمامي قلوب وعقول بل وبيوت الفلسطينيين، ليس في بيروت وحدها، بل في صنعاء، وعمان، ومدريد، ونيويورك أيضا.
وتخرج قوات الثورة الفلسطينية من بيروت، ويعود محجوب إلى القاهرة، وتظل علاقته النضالية مستمرة بالثورة. وفي مستهل عام 2004 يتوجه يحيى يخلف وزير الثقافة الفلسطيني نائبا عن الرئيس ياسر عرفات يرافقه غازي فخري المستشار الإعلامي بسفارة فلسطين، والشاعر المتوكل طه، وبركات الفرّا مساعد ممثل منظمة فتح، ولفيف من أصدقاء المسيرة إلي منزل الدكتور محجوب عمر، حيث قام يحيى يخلف بتلاوة قرار من اللجنة التنفيذية العليا لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس دولة فلسطين ياسر عرفات منح “الدكتور رؤوف نظمي ميخائيل عبدالملك (محجوب عمر)” وسام “نجمة القدس”، أرفع وسام فلسطيني تقديرا لدوره في الثورة الفلسطينية وكفاحه من أجل القضية الفلسطينية.
لا أزعم أنني كنت على اتفاق فكري دائم مع محجوب. لقد تباينت رؤانا في كثير من المواقف السياسية، وطالما تجادلنا واشتد الجدل، بل ولم نصل في بعض الأحيان إلى اتفاق. ولكن لم يكن لجدالنا مهما بلغ عمقه واشتدت حساسية القضايا التي يتناولها، أن يطمس تلك العلاقة التي بدأت في لحظة شفافية تحت سياط الجلادين، ولا أن يحولها إلى مجرد مجاملات شكلية باردة حفاظا على الشكل والتاريخ المشترك. ومن ناحية أخرى فلم يكن حرص كلانا على تلك العلاقة الشخصية الفريدة مبررا بحال للخوف من فتح أوسع نوافذ الحوار بيننا. كان كلانا دائما على ثقة من وطنية الآخر وصدق مشاعره. ألم يَرَ كلانا الآخر في لحظة صدق شفافة صهرنا فيها الألم؟
قدري حفني
القاهرة، 8 أكتوبر 2004