المحتويات
- الأشرفيّة : قصّة مستشفى الأشرفيّة خلال أحداث أيلول في عمّان
- أيلول في جنوب الأردن
- حوار في ظلّ البنادق : التاريخ والأمة والطبقة والتجمع الصهيوني
- عزّ الدين القلق : الكلمة والبندقية
- وجهة نظر في استراتيجية المفاوض المصري
- الناس والحصار: بيروت 1982
- تحقيق حول مذبحة : صبرا وشاتيلا
- أزمة الخليج ومنعكساتها الإقليمية والعربية والدولية : مداخلة عامة
الأشرفيّة : قصّة مستشفى الأشرفيّة خلال أحداث أيلول في عمّان
إنها لحظة من لحظات البشر المركّبة. تتشابك خيوطها في الفناء الذي يتخلّل المصطلحات الراصدة للوقائع التاريخية لتضفي على التاريخ كثافة الطيف اللامتناهي لحقيقة الإنسان.
كان ذلك في عمّان، سنة 1970 في ما عهد تسميته بـ”أيلول الأسود”، شهر سبتمبر الدامي حيث كانت الصدامات المتكرّرة بين العرش الأردني والثورة الفلسطينية قد بلغت أوجها. والزمان الفعلي هو الزمن الممتدّ للتجزئة العربية التي تقف سدّاً منيعاً أمام إزالة صفة اللاجئ عن الإنسان الفلسطيني وأمام استرجاعه لأبسط الحقوق.
أيلول في جنوب الأردن
في أثناء تواجدها في الأردن، أنشأت الخدمات الطبية لقوات “العاصفـة”، الجناح العسكري لحركة فتـح، عيادات شعبية منتظمة، لاسيما في منطقة الجنوب الصحراوية – في معان، والطفيلة، والشوبك – التي يغلب على تركيبتها السكانية الطابع العشائري.
بتعاملهم الجدّي مع الواقع، كسر الفدائيون الأفكار المسبقة عن البدو والمفاهيم الخاطئة المبنية على الإعلام والشائعات، وأسّسوا لعمل سياسي تعبوي حول فلسطين دَعَمَه أسلوب ثوري مبني على خدمة الناس ومشاركتهم همومهم اليومية. فالتحموا مع الأهالي في تجربة حضارية تضافرت خلالها قيم البداوة مع قيم الفدائيّة. وفي الشهور السابقة لأيلول/سبتمبر 1970، بدت الجهود المضنية لإفشال خطة السلطة الأردنية لضرب المقاومة وكأنها الرافعة التي ارتقى بواسطتها العمل الفدائي في جنوب الأردن إلى مستوى منهج أخلاقي مبدأه “أننا لن نطلق النار على الجماهير حتى لو كانت تطلق النار علينا”.
حوار في ظلّ البنادق : التاريخ والأمة والطبقة والتجمع الصهيوني
يدور “الحوار” في هذا الكتاب حول فكرة “فلسطين الديمقراطية” الحاضنة للمسلمين والمسيحيين واليهود على أساس المساواة في الحقوق، التي طرحتها حركة فتـح على العالم في أواخر ستينات القرن العشرين كحلّ لمشكلة فلسطين الناجمة عن الغزو اليهودي-الصهيوني لأرضها وعن إقامة دولة إسرائيل، وتفريغ الأراضي المحتلّة في عام 1948 من معظم أهاليها الذين تلقّفتهم مخيمات الشتات في البلدان العربية وفي قطاع غزّة والضفّة الغربية لنهر الأردن، أي في ما تبقّى من أراضي فلسطين التي رسمت حدودها القوى الاستعمارية في عام 1917، ضمن مشروع تفتيت منطقة الشرق الأوسط المسمّى باتفاقية سايكس-بيكو.
والحوار الدائر هنا حول الحل المستقبلي لقضية فلسطين ليس مع من يتقدّم بأيديولوجيا معينة – الماركسية هنا – معتبراً أن الأمر محسوم لمجرّد أن من يبادله الكلام محسوب على المعسكر الأيديولوجي نفسه، وكأن الحلّ يكمن في الانتماء إلى شعار وليس في الموقف العملي من اغتصاب إسرائيل للأرض الفلسطينية. أي أنه لا يتم بين عضو في فتـح مصنّف يساري وبين إسرائيلي أو أي فرد آخر ممن يهمّهم الأمر من “الصنف” نفسه. وقد يكون هذا هو جوهر “الحوار” الذي تعبّر عنه كلمات الطرف الإسرائيلي المذكور في الكتاب، يهودا أديف، أمام قضاة حيفا حيث كان يُحاكم : “إن هذا الوضع الأعوج يجب تغييره، وهذا ما حاولت أن أفعله، بالتهيئة للنضال ضدّ دولة إسرائيل وهو ذلك الذي كان حتى الآن بمثابة حرب من جانب العرب ضد اليهود، ونضال للمضطَهَدين ضدّ مضطَهِديهم في الوقت الذي يقف فيه كل من العرب واليهود على جانبي المتراس.. وهذا يمكن عمله بأن يقوم يهود ويثبتوا للعرب الذين يحاربون الصهيونية منذ عشرات السنين، بأنهم (أي اليهود) يقفون إلى جانبهم ومستعدّون أن يضحّوا بكل ما لديهم، وأن يتعرّضوا للمعاملة ذاتها وأن يقتسموا واياهم كل الأمور دون أي تمييز أو أفضلية لكونهم يهودا. وبدون ذلك لن يثق أي عربي بصدق ثورية أكثر ثوري يهودي استقامة”.
عادت الأفكار المعروضة في هذا الكتاب إلى الصدارة بعد أن احتلت إسرائيل مجددا الضفة الغربية وقطاع غزّة خلال الانتفاضة الثانية –إنتفاضة الأقصى، وبعد أن تكاثرت المستوطنات إلى درجة تجعل من التواجد الإسرائيلي على جانبي “الخط الأخضر” (الفاصل بين الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 وتلك المحتلة عام 1967) المُعَرْقِل الرئيسي للحل القاضي بوجود دولتين متجاورتين، إسرائيلية وفلسطينية، ذلك الحل الذي فرضته معطيات الواقع الإقليمي والدولي، وتبنّته منظمة التحرير الفلسطينية رسميّاً، ربما حقناً للدماء، بإعلان الرئيس ياسر عرفات قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في 15/11/1988، في ختام الدورة التاسعة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني المنعقدة في الجزائر حيث تمّ التأكيد على ضرورة عقد مؤتمر دولي ترعاه الأمم المتحدة لحلّ صراع الشرق الأوسط ولبّه قضية فلسطين، بحضور الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن والأطراف المعنية، على أن تشارك فيه منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد لشعب فلسطين على قدم المساواة مع سائر أطراف النزاع، على أساس قراري مجلس الأمن 242 لسنة 1967 و338 لسنة 1973 في مقابل الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني بوطن مستقل. وقد رحّبت القيادة الموحّدة للانتفاضة آنذاك، في بيانها رقم 29 الصادر بتاريخ 19/11/1988، وبإسم جميع الفلسطينيين في فلسطين المحتلّة، بالقرارات الصادرة عن المجلس الوطني وبإعلان الدولة الفلسطينية. وأكّد أبو عمار قرارات المجلس الوطني في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في جنيف، في 13/12/1988.
وكانت بداية المسيرة التي تجسّدت في مؤتمر مدريد، بعد حرب تدمير العراق، سنة 1991، وفي اتّفاقيات أوسلو سنة 1993، وإنشاء السلطة الفلسطينية على جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وما تبعها من محاولات لإرساء السلام أفشلها بداية الجانب الإسرائيلي باغتياله لإسحاق رابين سنة 1995، وباختياره خلفا له، من خاض حملته الانتخابية على خلفية المعارضة لمسار أوسلو، بنيامين نيتانياهو الذي بنى استراتيجيته على المراوغة في المفاوضات (ألوف بن، هآرتس 26/12/1996) وصولا إلى نسف الإطار التفاوضي برمّته، ورفض التعامل بمبدأ “السلام الشامل” و”الأرض مقابل السلام”، واستبداله بما تفرضه “موازين القوى” في ما يتجاوز النطاق الإسرائيلي-الفلسطيني، لشطب مسألة فلسطين من المعادلة إنطلاقا إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بعد ضرب العراق وسوريا، الخ، وتهميش القانون الدولي بغرس مفهوم الضربات الإستباقيّة.. وهذا بنصّ ما جاء في دراسة عنوانها “التحوّل الجذري، استراتيجة جديدة لحماية الدولة” حقّقها سنة 1996، بناء على طلب نيتانياهو، فريق إسرائيلي-أمريكي مشترك، “فريق البحث في استراتيجية جديدة لإسرائيل في عام 2000” (ضمّ بعض العاملين الحاليين في إدارة بوش، مثل رتشارد بيرل ودوجلاس فيث)، في إطار مؤسسة الدراسات الاستراتيجية والسياسية المتقدّمة (IASPS)، وهي دراسة كشف عنها في فبراير 2003، صحفيون ومحرّرون أمريكيون (لاسيما روبرت كايزر في الواشنطن بوست بتاريخ 9/2/2003، والكاتب الجمهوري جوستين ريموندو في موقع المناهضة للحرب antiwar.com على شبكة الإنترنت، بتاريخ 19/2/2003) قبل أسابيع من اشتعال الحرب الجديدة ضدّ العراق، لدهشتهم من تطابق توصياتها مع السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية الحالية.
ناهيك عن تكثيف النشاط الاستيطاني الدال على النوايا التوسّعية الرافضة لقيام دولة فلسطينية مستقلّة، غير مجزّأة. تلك النوايا التي تبلورت أكثر في ظلّ حكومة باراك العمّالية والتي فضحها الرئيس السابق للولايات المتحدة، جيمي كارتر، في مقال نشرته “الواشنطن بوست” الأمريكية، بتاريخ 26/11/2000، بقوله أن “سبب فشل سنوات من الجهد الديبلوماسي للولايات المتحدة واستمرار العنف في الشرق الأوسط يكمن في أن بعض القادة الإسرائيليين يواصلون «فرض الواقع» ببناء المستوطنات في الأراضي المحتلة”. وردّد الكثيرون رأي الرئيس كارتر، لاسيما المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى منطقة الشرق الأوسط، تيري رود لارسن، وإن شجب في الوقت نفسه ما سمّاه بـ “العمليات الإرهابية” الفلسطينية.
وفي هذا الإطار، نقلت مجلة “فورواردز” الأمريكية الناطقة بلسان قطاع من الجالية اليهودية، بتاريخ 25/10/2002، نبأ مفاده أن السلطة الفلسطينية قد أبلغت إدارة بوش نيّتها التخلّي عن فكرة الدولتين كحلّ للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني وأنها، بدلا من ذلك، سوف تدفع باتجاه المطالبة بحقوق المواطنة المتساوية داخل دولة واحدة ذات القوميتين في حال عدم وضع حدّ للنشاط الإستيطاني. وجاء في تفاصيل النبأ أن في 7/10/2002، سلّم وزير المالية الفلسطيني، سلام فياض، وزير الخارجية الأمريكي كولين باول ومعاونه الأول ديفيد ساترفيلد، وثيقة من عشر صفحات حول الوضع الإستيطاني في الأراضي المحتلّة مرفقة بخمس خرائط توضيحية أُطْلِعَت عليها في اليوم التالي، مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس، وأن أبو علاء، أحمد قريع، رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني والمفاوض المرموق، قد بعث برسالة مماثلة إلى البيت الأبيض بعد أسبوع. وقد رأت المجلّة في خطاب السلطة الفلسطينية المستجدّ “إنعكاساً للتدهور الحاد الذي طرأ على المسار الدبلوماسي منذ اندلاع الإنتفاضة الثانية”، وأن هذا الخطاب يأتي في وقت تدفع فيه إدارة بوش باتجاه قيام الدولتين من خلال برنامج عمل يستمرّ ثلاث سنوات ضمن ما سُمِّي بخريطة الطريق. ونقلت المجلّة عن ستيفن كوهين، خبير الشرق الأوسط في “منتدى إسرائيل السياسي” (مؤسسة خبراء ومستشارين سياسيين، ذات الميول اليسارية)، قوله أن “هناك إدراك متنامي في إسرائيل وبين الفلسطينيين أن الوضع على الأرض أصبح يبيّن اختفاء الخط الأخضر بمفهومه المعهود.. [وأن] لديك الآن، دولة يهودية على جانبي الخط الأخضر، يحتوي جانب منهما على أكثرية يهودية في حين أن الجانب الآخر يحتوي على أقليّة يهودية تتحكّم في أكثريّة من العرب. وبالتالي تشعر بأن الأمر يعيدنا إلى مفهوم اكتساب الفلسطينيين حقوق المواطنة في إطار دولة واحدة”.
وقد لفت إلى ذلك أيضا كل من أحمد سامح الخالدي، الكاتب الفلسطيني والمفاوض السابق والعضو الرئيسي في هيئة تدريس كلّية سانت أنطوني في أوكسفورد، ومايكل طرزي المستشار القانوني لمنظمة التحرير الفلسطينية، في مقالين منفصلين، متطابقين من حيث الجوهر، نشر الأول (“حلّ الدولة الواحدة”) في “الجارديان” بتاريخ 29/9/2003، والثاني (“شعبان ودولة واحدة”) في “النيو يورك تايمز”، بتاريخ 4/10/2004. يلاحظ طرزي أن مصطلح الدولتين يعني لدى إسرائيل العمل باستراتيجية ضمّ أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الزراعية والحصّة الأكبر من الثروة المائية إلى ناحيتها والدفع بمعظم الأفراد الفلسطينيين إلى الناحية الأخرى، مع العلم أن المستوطنين أصبحوا منتشرين بين كل المدن والقرى الفلسطينية، ويشكلون الآن خمس سكان الضفة الغربية، وأن الكيان المستقل المقترح على الفلسطينيين لا يتعدّى الحظيرة المجرّدة من مقتضيات العيش، تعتمد اقتصاديا على إسرائيل وتفتقر حتى إلى حقّ الدفاع عن النفس. ويضيف أن “في دولة الأمر الواقع هذه، يعيش 3,5 مليون فلسطينيا من المسيحيين والمسلمين، في حرمان من الحقوق السياسية والمدنية الآيلة إلى اليهود” وأن “في جنوب إفريقية، كان مثل هذا التخصيص للحقوق والامتيازات المبني على الانتماء العرقي أو الديني، يُسَمّى بالفصل العنصري في حين أنه يطلق على هذا النظام في إسرائيل <الديمقراطية الوحيدة> في الشرق الأوسط”. ويدعو طرزي الفلسطينيين إلى النضال من أجل المساواة في الحقوق، متخطّين المصاعب ومحتذين بحذو جنوب إفريقية التي برهنت على إمكانية الانتصار، وأن الأمر بات مجرّد مسألة الوقت الذي سوف يُسْتَغْرَق، وحجم المعاناة التي سوف تتحمّلها الأطراف كافة قبل أن ينظر اليهود الإسرائيليون إلى المسيحيين والمسلمين الفلسطينيين ليس كخطر ديمغرافي وإنما كمواطنين متساوين معهم”.
وعلى الصعيد غير المؤسسي، تكاثرت، خلال السنوات الأخيرة، الأصوات المطالبة بدولة واحدة مطابقة لمشروع فتـح المطروح في الستينات أو بدولة واحدة “ثنائية القوميّة”، صدرت عن أطراف فلسـطينة، وإسرائيلية أو يهودية مستقلّة.
كما ظهرت في السنوات الثلاث الماضية، مبادرات أخرى، رسمية وغير رسمية، تؤكّد مطلب إقامة “دولتين لشعبين”. فكانت القمة العربية المنعقدة في بيروت في 28/3/2002 التي غاب عنها أبو عمّار بسبب الحصار المفروض عليه، وشهدت إقرار الزعماء العرب بالإجماع لمبادرة ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز لإنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي وإقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل في إطار السلام الشامل. المبادرة المشروطة بانسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة حتى حدود 4 يونيو/حزيران 1967، وبحلّ قضية اللاجئين الفلسطينيين وفقاً للقرار 194 للجمعية العمومية للأمم المتحدة المبني على ضمان حق العودة، والقبول بقيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة في الضفة الغربية وغزة، وعاصمتها القدس الشرقية.
وفي 30/4/2003، تسلّم محمود عبّاس، أبو مازن، بعد ساعات من ادائه اليمين القانونية كرئيس للوزراء، نصّ “خريطة الطريق” المبنية على رؤية الرئيس الأمريكي، كما تسلّمها نظيره الإسرائيلي. تهدف “الخريطة” إلى تحقيق “تسوية شاملة ونهائية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي في حلول سنة 2005، وفقا لما جاء في خطاب الرئيس بوش في 24/6/2002، الذي لاقى ترحيبا من قبل الاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة عبّرت عنه البيانات الوزارية للّجنة الرباعية في 16/7/2002 و17/9/2002”. وجاء في نصّ “خريطة الطريق” أن “تسوية عن طريق التفاوض بين الطرفين سوف تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وديموقراطية قابلة للحياة، تعيش جنباً إلى جنب في أمن وسلام مع إسرائيل وجيرانها الآخرين. هذه التسوية ستنهي الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وستنهي الاحتلال الذي بدأ عام 1967، وستقوم على أسس مؤتمر مدريد ومبدأ الأرض مقابل السلام وقرارات مجلس الأمن 242 و338 و1397 [12/3/2002]، والاتفاقات السابقة المبرمة بين الطرفين ومبادرة ولي العهد السعودي الأمير عبدالله – التي تبنتها قمة الجامعة العربية في بيروت – الداعية إلى قبول إسرائيل جاراً يعيش في أمن وسلام في إطار تسوية شاملة. هذه المبادرة هي جزء أساسي من الجهود الدولية الهادفة إلى تحقيق سلام شامل على كل المسارات، بما في ذلك المسارين السوري-الإسرائيلي، واللبناني-الإسرائيلي.”
هذه المبادرات الرسمية واكبتها، في عام 2002، “الحملة الشعبية للسلام” الممثّلة بـ”وثيقة أيلون-نسيبة” (إشارة إلى القائمين عليها، عامي أيلون مسؤول جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي السابق، وسري نسيبة رئيس جامعة القدس الشرقية)، وفي عام 2003، “وثيقة جنيف” الصادرة عن المبادرة التي قام بها كل من ياسر عبد ربّه، رئيس “تحالف السلام الفلسطيني” والعضو في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويوسي بيلن، وزير العدل الإسرائيلي السابق ورئيس حزب “ياحد” (“هناك حدّ”). تثني الوثيقتان على حلّ الدولتين. إلاّ أن معظم الهيئات الشعبية والتنظيمية الممثلة للاجئين الفلسطينيين قد شجبتهما بسبب ما رأته فيها من إجحاف في حقّهم في العودة.
وتضاربت الآراء وعلت أصوات الإدانة أو التأييد، لدى الطرفين، داخل فلسطين وخارجها، في ما يبدو انعكاسا لواقع بلغ حدّاً فائقاً من التعقيد مع بناء السور العازل الذي يلتهم المزيد من الأراضي ويدمّر المزارع، ويفتّت المدن والقرى الفلسطينية، ومع الغارات اليومية للجيش الإسرائيلي وتدميره لأجزاء كبيرة من رفح، وخان يونس، وجباليا، ونابلس، وجنين، والخليل..، وتشريد أهاليها، واقتلاع مئات الآلاف من أشجار الزيتون وغيرها من الأشجار المثمرة.. إن حجم المأساة التي يعيشها شعب فلسطين يبرّر التساؤل حول جدوى التفاوض مع “شريك” إسرائيلي، وما إذا كان موجوداً بالفعل ويريد إقامة دولة فلسطينية.
يقول أحمد سامح الخالدي، في خاتمة مقاله المذكور أعلاه، أنه “يوجد بديل لخياري الدولة الواحدة أو الدولتين، وهو الانزلاق في اتجاه الفصل العنصري أو الانخراط في حلقة التصعيد الدائم للمقاومة والعنف المقابل، مع ترجيح استمرار الطرفين حتى النهاية القصوى.. إلا أنه يجب عدم الاستهانة بتواتر خيار [الدولة] الديمقراطية. فقابليتها للنجاح عمليا، خلافا لحلّ الدولتين، ليست رهينة التطوّرات على الأرض، إنما تتوقف، في الحقيقة، على تحوّلات تمسّ القلوب والعقول. نعم، هناك مثل جنوب إفريقية.”
بعد 34 عاما من مثول يهودا أديف أمام قضاة محكمة حيفا، قدمت النيابة العامة الإسرائيلية في 26/12/2004، لائحة اتهام ضد ناشطة السلام الإسرائيلية طالي فحيمة. وقالت الإذاعة الإسرائيلية أن النيابة العامة نسبت لطالي تهما بينها “تقديم المساعدة للعدو في أثناء الحرب ونقل معلومات للعدو وحيازة السلاح”. وجاء في لائحة الاتهام أيضا أن طالي دخلت مدينة ومخيم جنين قبل سبعة شهور، واتصلت بنشطاء من كتائب شهداء الأقصى. ولم تنفِ فحيمة اتصالاتها وصداقتها مع قائد كتائب الاقصى في جنين، زكريا الزبيدي. وكانت فحيمة قد دخلت مخيم جنين في شهر أيار/مايو 2004 وأعلنت أنها تهدف من وراء ذلك إلى جعل نفسها درعا بشريا لزبيدي تحسبا من قيام الجيش الإسرائيلي باغتياله. وادعت النيابة العامة الإسرائيلية في لائحة الاتهام أن فحيمة أحبطت حملة عسكرية أطلق عليها اسم “دموع التماسيح” من أجل اعتقال “مطلوبين” لقوات الجيش الاسرائيلي. ووفق لائحة الاتهام فإنه خلال الحملة العسكرية الإسرائيلية “دموع التماسيح”، فقدت القوات الاسرائيلية وثائق سرية للغاية وصلت الى أيدي مقاتلي كتائب شهداء الأقصى في جنين. وادعت النيابة الإسرائيلية أن فحيمة ترجمت هذه الوثائق المكتوبة باللغة العبرية لصالح مقاتلي الكتائب ما مكّنهم من الاختباء والإفلات من الاعتقال. وفي شهر آب/أغسطس 2004، اعتقلت قوات الأمن والعاملين في جهاز الشاباك طالي فحيمة، ثم وقّع وزير الأمن الإسرائيلي، شاؤول موفاز، وقائد الجبهة الداخلية، في الخامس من أيلول/سبتمبر، أمرا بفرض الإعتقال الإداري على فحيمة، لمدة أربعة أشهر، خضعت خلالها للتحقيق المكثف. وتوقّع الإعلام الإسرائيلي وقتها أن تُفرض عليها العقوبة القصوى، وهي السجن المؤبّد. وفي أواخر شهر كانون الثاني/يناير 2005، حكمت محكمة إسرائيلية بالإفراج عنها. وقرر قضاة المحكمة إخضاعها للاعتقال المنزلي بضمانة مالية تصل إلى عشرات الآلاف من الشيكلات.
تقول طالي فحيمة في مقابلة أجرتها معها صحيفة “هاعير” الإسرائيلية، في فبراير/شباط 2004 : “لقد نشأت على اعتبار العرب كالشيء الذي يجب ألا يكون هنا. وفي يوم، أدركت أن في معلوماتي فجوات كبيرة، وأن هناك أموراً لا يتطرّق إليها إعلامنا. وفهمت فجأة، أن الأمر يتعلّق بكائنات بشريّة وأننا مسؤولون عما أضحت عليه حياتهم. ومنذ ذلك اليوم، توقّفت عن مشاهدة التلفزيون”.
عزّ الدين القلق : الكلمة والبندقية
في أن الكلمة الحرّة هي الكلمة المسؤولة وإلاّ أصابت في مقتل وحصدت خيرة الشباب.
وجهة نظر في استراتيجية المفاوض المصري
كان إعلان الرئيس المصري، أنور السادات، موافقته على زيارة القدس المحتلّة، عام 1977، تلبية لدعوة رئيس وزراء إسرائيل، مناحم بيغن (الذي لم يكن يتوقّع أو ربما لم يكن يريد أن تؤخذ دعوته مأخذ الجدّ)، كان حدثا يفوق طاقة استيعاب المخيّلة العربية. وتمّت الزيارة في 19 تشرين الثاني/نوفمبر 1977، وفي 17 أيلول/سبتمبر 1978، وبعد اثني عشر يوما من مفاوضات سرية رعتها الولايات المتحدة في كامب ديفيد، وقّع الرؤساء الثلاثة (أنور السادات، ومناحم بيغن، وجيمي كارتر) على اتفاقي-إطار. نصّ أوّلهما على عقد اتفاقية سلام بين مصر وإسرائيل، تمّ توقيعها في واشنطن بتاريخ 26 آذار/مارس 1979، واستردّت مصر بموجبها شبه جزيرة سيناء سنة 1982، في حين حدّد الاتفاق الثاني –الذي لم يطبّق- إطاراً للسلام في الشرق الأوسط، ورهن مصير الضفة الغربية وقطاع غزّة بمسار تفاوضي رباعي بين الأطراف المصرية، والاسرائيلية، والأردنية، والفلسطينية، كان من المفروض أن ينتهي إلى مرحلة انتقالية من الحكم الذاتي.
وانقسمت الصفوف مع هذا التغيير التاريخي الاستراتيجي الهام.
والنصّ التالي يذكّر بأن زيارة الرئيس السادات إلى القدس المحتلّة لم تكن هي “بداية” المسار التفاوضي بين العرب وإسرائيل كما أنها لا تعني “نهاية” الصراع بينهم، ويقترح قراءة منهجية للحدث ويبيّن أن مثل هذا التحوّل الكبير لا يمكن حسابه بنظريّة المؤامرة، لاسيما و”أن الخطأ في تفسير الأحداث والوقائع .. يؤدّي إلى الخطأ في خطط التأثير فيها”.
الناس والحصار: بيروت 1982
شكّل صيف 1982 نقطة تحوّل في مسار الحرب الأهلية اللبنانية المستمرّة منذ عام 1975، حيث تدخّلت إسرائيل بشكل مباشر بذريعة تأمين “السلام للجليل”، واجتاحت جنوب لبنان للمرّة الثانية، بعد عملية الليطاني في عام 1978، مستهدفة مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين فيه، والمدن والقرى اللبنانية، ودخلت مناطق الشوف والمتن في الجبل، وصولا إلى بيروت التي حاصرت جزءها الغربي وأمطرتها بالقذائف من الجو والبحر والبرّ طيلة ثلاثة أشهر حتى أخرجت منها منظمة التحرير الفلسطينية بقياداتها ومقاتليها وأجبرتهم على مغادرة لبنان.
في الواقع، لم تكن إسرائيل غائبة عن مجرى الحرب اللبنانية التي اجتمعت فيها مسببات محلية بحتة، ناجمة عن التركيبة الطائفية المؤسساتية لذلك البلد، وعن استغلال كل طائفة للوجود الفلسطيني سواء للاحتماء به أو للتذرّع بأنه سبب الحرب، وفي الحالتين لترجيح كفّة الميزان لصالحها؛ ومسببات إقليمية لا تختلف كثيرا في جوهرها عن سابقتها، ومسببات دولية. وكلها تقاطعت، بدرجة أو بأخرى مع المصلحة الاسرائيلية في توجيه ضربة للفلسطينيين، أما لتحجيم دورهم الإقليمي أو للقضاء عليه وتصفيته نهائيا، عملا بمقولة قديمة استحدثها بشير الجميّل، قائد مليشيات “الجبهة اللبنانية” – الذي انتُخِبَ رئيسا للجمهورية في ظلّ الحراب الإسرائيلية ثم اغتيل قبل أن يتسلّم منصبه – مفادها أن “هناك شعب زائد عن الحاجة”، لا مكان له في المنطقة. وهي مقولة كان تجسيدها المريع في ما يدفعه الفلسطينيون ثمناً لتقسيم المشرق، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، إلى “دول-أمم” تنقض شرعيتها العوامل الجيو-استراتيجية والتاريخية الحضارية للمنطقة، ولا تبرّرها في الأساس، سوى مصالح غربية استعمارية وصهيونية. فهذا الوضع يحكم على الفلسطينيين أن يبقوا لاجئين “غرباء” ومطاردين أينما حطّوا، في الدول “الشقيقة” أو في وطنهم المحتلّ، إلى أن تعود الأمور إلى نصابها.
ولم يتمكّن اللبنانيون الرافضون للعبة الطوائف، الحريصون على قضية فلسطين حرصهم على أنفسهم ووطنهم، من وقف الصراع الذي حوّل لبنان إلى جحيم تعدّدت فيه الجبهات بعدد المصالح الفئوية، ولا من ردّ العدوان على فلسطين في لبنان. وحملت أيام، وساعات، ودقائق ذلك الصيف الدامي في طيّاتها آلاما تجمّعت فوق ما سبقها من آلام، وكان لكل لحظة إسم، وسبب، وخيوط تنسجها تترامى أطرافها إلى أبعد ما تطيقه الذاكرة المحدودة بزمن حياة الفرد.
يبدأ الكاتب شهادته عن حصار بيروت بفقرة من موّال مصري مشهور لإضفاء صفة الشعبية على الموقف. فالأمر يتعلّق هنا بالناس وهم في حالة حراك، الناس بشأنهم، في مواجهة العدوان، دون أن يكون لهم تعبير سياسي خاص.
تحقيق حول مذبحة : صبرا وشاتيلا
تُقَدّم الصفحات التالية لتحقيق كتبه الصحفي الإسرائيلي أمنون كابليوك حول المذبحة التي راح ضحيتها أهالي مخيّمي صبرا وشاتيلا، في بيروت، بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية منها في أواخر صيف 1982.
تنزع مقدّمة محجوب عمر عن الضحايا صفة المجهول لتصوّرهم في جهدهم البسيط، اليومي، المتراكم، ثمرة العبقرية التلقائية للمظلومين العزّل التي يهزمون بها الخوف ويعيدون بناء الحياة فوق أنقاض الحياة. وهو يلفت النظر إلى أن أمنون كابليوك كان أول من استخدم كلمة “إبادة” لتوصيف ما قامت به إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني خلال اجتياحها للبنان، متذرّعة بـ”تدمير البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية”، وذلك دون أن يتغاضى عن مزالق وعيوب منهج الصحفي الإسرائيلي في التحقيق الذي أجراه حول مذبحة صبرا وشاتيلا.
أزمة الخليج ومنعكساتها الإقليمية والعربية والدولية : مداخلة عامة
ما هو حادث في العراق اليوم، مشهد من زلزال التغيير الذي طرق باب المنطقة منذ عقود بل ومنذ قرن ونيف. والقسوة التي تتميّز بها المرحلة ناجمة عن “أنها تحمل رواسب الماضي ويدفع فيها الناس والدول والمؤسّسات والأفراد ضريبة عدم تحقيق التغيير في الوقت المناسب” كما يقول كاتب هذه المداخلة في منتدى انعقد عشية اندلاع الحرب على العراق، في مطلع عام 1991، لمناقشة أزمة الخليج وانعكاساتها الاقليمية، والعربية، والدولية.
يرصد الكاتب عناصر التغيير على الأصعدة الثلاثة (الاقليمية، والعربية، والدولية) وارتباطها ببعضها البعض، وتدخّل عوامل العفوية والوعي والتطوّر غير المتكافئ – والتناقضات التي تولّدها – في رسم المعطيات الراهنة والمستقبلية في عالم يحكمه النظام الدولي الجديد بما يعنيه من خطر السيطرة الخارجية على القرار المحلّي، كما تحكمه مفاهيم الحرية وحقوق الإنسان والانفتاح على المحيط والتفاعل الإيجابي مع العالم. وهو يرى في هذه المفاهيم سلاحا لا بدّ أن يمسك به الإنسان العربي للخروج من أزمته والسير نحو الوحدة أي نحو “الهدف المنطقي” الذي يرتسم في أفق المنطقة العربية، بالرغم مما خلّفته عهود ماضية من ظلم وإحباط بتعاملها الفوقي القاهر مع فكرة الوحدة. فبناء هذا الصرح يبدأ، في نظر الكاتب، من قاعدة الهرم، ويعتمد على اكتساب استقلالية حقيقية على مختلف المستويات، تتبلور في احترام حقوق الفرد والجماعة والوطن والأمة.
وربما كان في أزمة الخليج، على قسوتها، مكسب للوعي العربي إذ أنها تدفع به إلى تخطّي الظواهر المتبدّلة والتحرّر من تجمّد الوضع القائم بأشكاله، وإلى الربط بين محنة العراق ومحنة فلسطين. ويحدّد الكاتب جوهر الربط أنه “في حقيقته ربط بين الاحتلال الإسرائيلي من ناحية وبين السيطرة الأمريكية على النفط والوجود الأمريكي العسكري في المنطقة من ناحية أخرى”. إن تخطّي الظواهر يسمح بالتصدّي لمهمة التحرير التي طالما تأجّلت والتي يشدّد الكاتب على أن فلسطين هي بداية الطريق إليه وإلى الوحدة، وضمانه، ونهايته