فى خمسينات القرن الماضى كانت الاشتراكية “حصبة” تصيب شباب المثقفين من ذوى الضمير الاجتماعى فلم يكن عجيبا أن يصاب بها الدكتور محجوب عمر وأن يساق إلى السجون وينال حظه من التعذيب ولكن ما أثار الدهشة أنه هجر مهنة الطب التى كان يمكن أن تحقق له ثراء عريضاً، وذهب إلى الجزائر ليشارك المجاهدين، ومنها انتقل إلى فلسطين فعاش مع المقاومة أحلك ساعاتها فى تل الزعتر، وأيلول الأسود وبيروت المحاصرة كان فيها جميعا يدرّب الشباب ويعالج المرضى ويقدم التوجيه السليم والمنهجية الرشيدة وأمانة الأداء وقداسة الالتزام.
لم أدهش لذلك كما دهش الآخرون فقد عرفت فيه حكمة خافية عميقة تجعله يجمع ما بين محمد والمسيح، ماركس وأبى ذر، الداعية والمحارب، وكان القدر يدخر له أن يشترك فى الملحمة الجديرة به والجدير بها والتى ستحدد مصير المنطقة، وربما العالم كله.
ما أحوج المقاومة الفلسطينية اليوم إلى صوت الحكمة، ما أحوجها إلى أن تراجع دروس الماضى ما أحوجها إلى الذكرى,
وهذا هو ما يقدمه الكتاب.
إنه ليسعد دار الفكر الإسلامى – ويشرفها – أن تقوم بنشره فتقدم بذلك مساهمتها فى أشرف وأنبل حركات المقاومة فى العصر الحديث مقاومة يجابه فيها الأطفال الدبابات بالحجارة، ويشترك فيها النساء والرجال ويتعرضون جميعا لتدمير البيوت واقتلاع أشجار الزيتون وأقسى ممارسات القبضة الحديدية دون أن يتطرق إليهم يأس أو ينال منهم ضعف، وستكون فصلاً من فصول التاريخ تتداوله الشعوب ويتناقله الأبناء من الآباء.
جمال البنا